أمر مقرف ومؤلم أن ترى مواطنًا يسحقه الفقر المدقع ، وتنهش جسده الحاجة والعوز والمرض ، ثم تراه بعد كل هذا يسعى جاهدًا ويمزق حنجرته لمدح سياسي أو حاكم فاسد ، فاشل ، وعميل . إنها المفارقة الصارخة التي تجسد عمق المأساة الإنسانية والسياسية في مجتمعاتنا ، حيث يتحول الضحية ، بفعل فاعل ، إلى سوط بيد جلاده ، ويصبح المظلوم حارسا لقلعة الظلم التي تسجنه .
يحدث هذا التشويه الإدراكي تحت تأثير الانجرار الأعمى خلف آلات التضليل السياسي والثقافي الممنهج . وهي آلات ضخمة تصنع شعارات براقة وكاذبة ، تتناقض تمامًا مع الواقع المعاش للمواطن البسيط .
إن حماسة هذا المواطن، الناتجة عن غياب الوعي والجري العاطفي خلف الأوهام الزائفة ، تجعله شريكًا مباشرًا في بناء منظومة الفساد ، وصناعة واقع الظلم ضد نفسه وضد مستقبله دون أن يشعر . إن الجهل في هذه الحالة ليس مجرد غياب للمعلومة ، بل هو سلاح تدمير ذاتي يستخدمه الفاسدون لإطالة عمر طغيانهم .
لكن، عندما يبدأ هذا المواطن في قراءة الواقع بعين الوعي والتأمل ، ويفك ارتباطه النفسي بالتبعية العمياء والمديح الزائف ، فإنه يبدأ أولى خطوات التحرر من أسر التضليل الإعلامي الموجه . هنا تحديدا ، يولد الوعي الحقيقي ، وتبدأ النواة الأولى للتفكير في تغيير هذا الواقع المؤلم والمزري . وهو الواقع الذي فُرض بقوة السلاح الفكري والشعارات الخادعة ، التي لم تكن سوى جسرٍ لوصول طبقة من الفاسدين إلى سدة الحكم . طبقة لم تتوانَ عن بيع الوطن ، والتفريط في سيادته وقراره المستقل ، ونهب ثرواته ومقدراته ، فقط من أجل تأمين بقائها في السلطة . إنهم يأكلون الأخضر واليابس ، ويراكمون الثروات في مصارف الخارج ، بينما يُترك المواطن في الداخل لمواجهة الموت فقرًا وجوعًا ومرضا .
لذلك ، يجب أن ندرك جميعا أن الانتقال من هذا الواقع المأساوي إلى واقع أفضل ، يصون كرامة الإنسان ويحقق العدالة ، لن يتحقق بالأمنيات أو الشكاوى العابرة .
إن التغيير الحقيقي يبدأ بالرفض الواعي والمقاومة الفكرية لهذا الظلم والبغي والطغيان . ويجب أن يترجم هذا الرفض إلى عمل سياسي واعي ، منظم ، ومؤسسي ، يقوده الشرفاء والأحرار من أبناء هذا الوطن . عملٌ يضع حدًا لحقبة الفساد والفشل لحكومة الفنادق ، ويعيد بناء الدولة على أسس النزاهة والسيادة الكاملة ، ليكون الوطن لأبنائه لا لناهبيه .
عبدالكريم الدالي