آخر تحديث :السبت-17 أكتوبر 2026-12:56ص

الاختصار المفقود

الجمعة - 16 أكتوبر 2026 - الساعة 09:43 م
عبدالناصر صالح ثابت


أثبتت سنوات الحرب في اليمن أن غياب الحلول السياسية الجذرية أطال أمد الصراع، ووسّع دائرة الأزمات، وعمّق معاناة الناس. فمع تعدد أطراف الأزمة وتشابك المصالح، أصبحت التسوية أكثر تعقيدًا وكلفة، وتراجعت فرص الوصول إلى سلام ينهي معاناة اليمنيين.

وجاءت أحداث الأيام الأخيرة لتؤكد أن الأزمة لم تعد مجرد خلاف داخلي، بل تحولت إلى شبكة من الأزمات تتداخل فيها الحسابات المحلية والإقليمية والدولية، الأمر الذي جعل الحاجة إلى حل جذري أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

لقد كان بإمكان المجتمع الدولي والقوى المحلية والإقليمية التركيز على معالجة جذور الأزمة بدلًا من الاكتفاء بإدارة تداعياتها. فإدارة الحرب ليست حلًا، وتعدد المبادرات لا يحقق السلام ما لم يقترن بإرادة سياسية تعالج الأسباب الحقيقية للصراع.

إن الاختصار المفقود هو الشجاعة في الذهاب إلى الحل الجذري بدلًا من الدوران في حلقات مفرغة.

ومن هذا المنطلق، أرى أن العودة إلى صيغة ما قبل عام 1990، أي استعادة واقع الدولتين، شمالًا وجنوبًا، تمثل خيارًا يستحق الطرح الجاد على طاولة الحوار، باعتباره أحد المسارات الممكنة لمعالجة جذور الأزمة. على أن يتحقق ذلك عبر مسار سياسي سلمي يضمن حق اليمنيين في تقرير مستقبلهم، ويجنب البلاد مزيدًا من الدماء والانقسامات.

ولا يعني هذا الطرح أن الطريق خالٍ من التحديات، بل يتطلب حوارًا مسؤولًا وضمانات واضحة، وتسويات عادلة لقضايا الحدود والمواطنة والموارد والأمن والعلاقات المستقبلية، بما يحفظ الحقوق ويمنع نشوء صراعات جديدة.

لقد أسهم استمرار الحرب في فتح المجال أمام تدخلات خارجية متعددة، وأصبحت اليمن ساحة تتقاطع فيها مصالح الدول، وتُدار فيها بعض المواجهات ضمن صراعات بالوكالة، بينما يتحمل المواطن اليمني كلفة ذلك من أمنه ومعيشته ومستقبله.

إن الاختصار الحقيقي ليس اختصار الزمن فحسب، بل اختصار طريق المعاناة. فالمطلوب ليس تسوية مؤقتة تؤجل الصراع، بل حل سياسي يعالج جذوره، ويحترم إرادة الناس، ويمنح الأجيال القادمة فرصة للعيش بعيدًا عن الحروب.

لقد أثبتت التجربة المؤلمة أن كلفة استمرار الصراع لا تقتصر على ما فُقد من أرواح وموارد، بل تمتد إلى مستقبل أجيال كاملة. وما ضاع من سنوات الحرب لا يمكن استعادته، لكن بالإمكان إنقاذ ما تبقى من مستقبل اليمن.

ويبقى السؤال: كم من الدماء كان يمكن تجنيب اليمنيين إياها لو توفرت الإرادة السياسية للذهاب إلى الحل الجذري؟

ذلك هو الاختصار المفقود: أن نمتلك الشجاعة لإنهاء الصراع بدلًا من إدارته، وأن نبحث عن طريق السلام قبل أن تتضاعف كلفة الحرب على وطن أنهكته الأزمات وشعب طال انتظاره للحياة والاستقرار.