لا أدري بسرّ الحنين الذي يستبدُّ بي كلما هممتُ بالكتابة عن رسائل ابن عمي الحبيب، الشيخ الفاضل علي بن صالح الحار؛ اطال الله بعمره، تلك الرسائل التي كانت تصلنا من مهجره، بعد أن تقطع المسافات الطويلة، وتنتظر ما قد يطول من الزمن حتى تجد طريقها إلينا، حاملةً شيئًا من روحه، وعبقها، وأصداء حضوره البعيد. كان ذلك في زمنٍ لم تكن فيه وسائل الاتصال الرقمية قد اختصرت المسافات، ولا أزالت عن الغياب وحشته؛ فكانت الرسالة يومها موعدًا مع الفرح، ونافذةً نطلُّ منها على الأحبة وإن باعدت بيننا الدروب.
وكانت السعادة تغمرني حين يخصّني برسالة دون الآخرين، رغم صغر سني آنذاك. لم أكن أقرأ الكلمات وحدها، بل كنت أقف طويلًا أمام خطه الآسر، أتأمله بإعجابٍ لا تحدّه الكلمات؛ خطٌّ أشبه بمخطوطات الكتب النفيسة، تتآلف حروفه في تناسقٍ بديع، وكأنها تعرف مواضعها قبل أن تستقر على الورق. لقد بلغ بي الإعجاب به مبلغًا جعلني أتخذ من تقليده هاجسًا طفوليًّا، وأتساءل في قرارة نفسي: متى أستطيع أن أكتب مثل علي؟ فقد كان لخطه وقعٌ جماليٌّ يأخذ العين، ويترك في النفس متعةً لا تقل عن متعة القراءة نفسها.
ولعلّ ما يجعلني أستعيد تلك الرسائل اليوم بهذا القدر من الشغف، أنني كلما تأملتها وجدتني أستعيد صاحبها اخي الجميل أيضًا؛ ذلك الإنسان الذي أراه لوحةً جمالية متكاملة، اجتمعت فيها ملامح الخَلق الحسن، وسمات النفس الطيبة، وجمال الروح، ووقار الشخصية. كأنما صاغه الله في صورةٍ من الانسجام، تتآلف فيها المحاسن، ويجد كلُّ وجهٍ من وجوه الجمال مكانه في تلك اللوحة.
وللجمال في شخصية أخي علي فلسفةٌ لا تقف عند حدود الملامح أو حسن الهيئة؛ إنه جمالٌ يتجاوز الظاهر إلى المعنى، ويتخطى الصورة إلى الأثر، فتشعر أن الجمال فيه ليس صفةً منفردة، بل منظومةٌ متكاملة من الخصال التي تمنح الإنسان محبته في القلوب، ومكانته في الذاكرة.
لم ينعم علي بطفولة تذكر كغيره من ابناء البلاد الذين اجبرتهم ظروف الحياة على الرحيل المبكر للمهجر طلبا للقمة العيش، وكان غالبيتهم يشتغلون في مهن من الخدمات المناسبة لسنهم في الصبى.
وظلت حياة علي، رغم مرارة بداياتها تشبه الى حد ماء حياة الفراشات، فقد حباه الله بخلق ملائكي جميل، كانما الشمس تشرق من جبينه الناصع وتاوي مع كواكبها من نجوم المساء والاقمار اليه.
ابتسمت له الحياة في ارض المهجر، ليزيده الله، نورا على نوره الملائكي بارتباطه مباشرة بواحد من مراجع عهده في الحرم المكي الشيخ المقرئ الامام عبدالحميد المشاط، وعاش علي في خدمة هذا الشيخ الجليل، منفتحا على تعليم كتاب الله والاخذ بما يستطع من علوم الدين، ونال حظا منها يحسد عليه، مما زاده بهاء ورفعة وجمال.
تبسمت الحياة لاخي الحبيب علي بفتح مؤسسة تجارية رائدة وناجحة، في مجال له ارتباط بمكامن الجمال والعطور، وتدرج في معارج تجارتها بنجاح لحد وصوله الى المشاركة في كل المهرجانات التي تقيمها كبريات الشركات العالمية في باريس وروما، وكان يحظى بمكانة رفيعة في اوساطهم لعصامية الرجال وذكائه، ليتمكن من تأسيس امبراطورية تجارية صغيرة واسرية مثالية ناجحة.
واليوم، وقد أقعده المرض، وغابت عنّا عفوية اللقاءات، وتباعدت لحظات التواصل، صار الحنين إليه أوسع من أن تحتويه رسالة، وأعمق من أن تفي به الكلمات. أشتاق إلى رسائله، إلى خطه الذي طالما فتنتني حروفه، وإلى صوته الجميل الذي كان يمنح الحديث نكهته الخاصة؛ أشتاق إلى أن يصلني منه حرفٌ كما كانت تصلني رسائله قديمًا، فأشعر أن المسافة قد انكمشت، وأن الغياب لم يعد بذلك البعد.
يا علي، ما زالت رسائلك القديمة تحتفظ بشيءٍ منك، وما زال خطك يوقظ في نفسي دهشة الصبي اللبيب، حين كان يفرح بأن تخصّه برسالة، ويطيل النظر في حروفها، كأنما يحاول أن يتعلّم منها الكتابة والحياة معًا. وما زلتُ، كلما تذكرت تلك الأيام، أدرك أن بعض الرسائل لا تنتهي بانتهاء قراءتها، وأن بعض الحروف تعيش أطول من لحظة كتابتها؛ لأنها تحمل أصحابها في طيّاتها.
سلامٌ على تلك الرسائل، وسلامٌ على صاحبها، وسلامٌ على أيامٍ مضت، لكنها لم تغادر القلب. أسأل الله أن يلبسك ثوب العافية، وأن يردّ إليك صحتك وقوتك، ويمنحنا فرحة سماع صوتك الجميل، وقراءة رسائلك من جديد؛ فثمّة أصواتٌ لا يعوّضها الصمت، وثمّة أحبةٌ لا يختصر الغياب مكانتهم، بل يزيدهم في القلب حضورًا.
وأقول للناس شيئًا: بعض الناس نكتب عنهم لأننا نحبهم، وبعضهم نكتب عنهم لأننا نخشى أن يسرق الغياب شيئًا من حضورهم في حياتنا. وأحسب أن رسائل اخي الحبيب علي تنتمي إلى النوع الثاني؛ فهي ليست أوراقًا قديمة، بل قطعٌ من العمر، وملامح من الذاكرة، وأصواتٌ احتفظ بها القلب حين عجزت المسافات عن اختصار الطريق.
مدينة عتق شبوة
12 اكتوبر2026م