آخر تحديث :الأحد-01 نوفمبر 2026-10:12م

نحن آخر الأجيال الواعية في زمن التجهيل

الخميس - 15 أكتوبر 2026 - الساعة 06:06 م
محمد المسبحي


حين تمشي في شوارع مدننا اليوم، وتشهد طرائق عيش جيل الصدفة والتكنولوجيا السريعة، تجد نفسك تتوقف ملوحاً بذاكرة بعيدة، كأنما تودع رفيقاً قديماً. تلك الذكريات هي الشاهد الأخير على زمن كان فيه للمعنى ثقل، وللأشياء البسيطة طعم لا يزول. ليس العجب في أننا كبرنا.. لا طبعاً، وإنما في أننا نرى أمام أعيننا انحسار طينة بشرية كاملة، بكل ما حملته من قيم العفّة والصبر والبساطة التي لم تعد تجد لها مكاناً في زحام المعايير الحديثة.

لقد نشأنا في بيوت لم تعرف رفاهية الاختيار، وكان قرص الروتي أو الخبز يليه قدح من الشاي الأسود بصمت المحبين كفيلاً بأن يصنع يوماً كاملاً من الرضا. لم نعرف معنى المعلم الخصوصي ولا ترف الميزانيات المفتوحة، بل استمددنا التفوق من عصامية صلبة، ومن وقفة فخر أمام السبورة نخط بحروف متواضعة إجاباتنا التي نبتت من كدّ الذاكرة وجهد الذات. كنا نؤدي الواجبات المنزلية وحدنا، بلا وصاية تملي علينا الكلمات، فنكبر على الاستقلالية قبل أن نعرف اسمها.

لقد علمتنا الشوارع والبيوت البسيطة ما لا تدرسه المناهج؛ فالتراحم كان سجية لا تكلف فيها، وكان احترام المسن والشرطي والمعلم والجيران قاعدةً لا تقبل التأويل. كان الواحد منا يستحي أن يتمدد في مقعد الباص وجواره مسن واقف، واعتبرنا حق الأكبر قانوناً لا يحتاج إلى نقاش، وكنا إذا التقطنا كسرة خبز سقطت على الأرض قبلناها احتراماً للنعمة. أما في بيوتنا، فحين تنطفئ الأنوار وتتسلل سكنات الليل، كنا نكتم ضحكاتنا البريئة مع الإخوة كي لا يشعر الوالدان بأننا ما زلنا مستيقظين، فنغفو على أمل صباح يشبه الأمس.

تلك البساطة لم تكن فقراً، بل كانت غنى في الروح.

اليوم، ونحن نقف على ضفة هذا التحول، لا نملك إلا أن نتساءل عن جدوى هذا التقدم الذي منحنا كل شئ وسلب منا أرواحنا. فعزاؤنا الوحيد في رحيل ذلك الزمن ليس في محاولة استعادته، فهو لن يعود، وإنما في أننا شهدنا بأعيننا كيف يمكن للبساطة أن تصنع إنسانا كاملا وأن القيم الحقيقية لا تموت بمرور السنين، بل تبقى شاهدةً على أن المعنى كان يوماً ما أعلى شأناً من المادة، وأن الأثر الجميل لا يمحوه غبار التحول.