هناك نوعٌ من الفساد لا يكتفي بسرقة المال، بل يسرق معه اللغة أيضاً ؛ فيحوّل الجريمة إلى « رزق »، والنهب إلى « نعمة »، والمال العام إلى « فضلٍ من الله ».
يسرقون أموال الفقراء، وينهبون أموال الشعب، ثم يشترون البيوت الفاخرة والسيارات الفارهة، ويجلسون في قصورهم مطمئنين، وكأن المال هبط عليهم من السماء، ثم يقول أحدهم بكل ثقة :
« هذا من فضل ربي » !
طبعاً… من فضل ربي !
لكن هناك سؤالاً صغيراً يفسد عليهم جمال العبارة :
إذا كان هذا من فضل الله، فلماذا وصل الفضل إلى جيوبكم، ولم يصل إلى أصحاب المال الحقيقيين ؟
الفقراء الذين لا يجدون ثمن الخبز، والموظف الذي ينتظر راتبه، والمريض الذي يعجز عن شراء دوائه، والأسرة التي تحسب ثمن لقمة العيش قبل أن تشتريها… هؤلاء جميعاً لم يصلهم ذلك « الفضل ».
أما صاحب القصر والسيارة الفارهة، فقد وصلته النعمة كاملة… ومعها موقف سيارات !
وهنا تبدأ السخرية السوداء.
تخيّلوا رجلاً يمد يده إلى رغيف الفقير، يسرقه، ثم يبيع الرغيف ويشتري بثمنه قطعة أرض، وبعد سنوات يبني فوقها قصراً، ثم يقف أمام المرآة مبتسماً ويقول :
« الحمد لله، ربنا رزقني ! »
يا للعجب !
حتى الرغيف المسروق أصبح عنده « رزقاً »، وحتى دمعة الفقير ربما أصبحت في قاموسه « تفاصيل لا تستحق الذكر ».
المشكلة ليست فقط في يدٍ تمتد إلى المال العام، بل في العقل الذي يحاول بعد ذلك غسل المال بالكلمات الدينية.
فالمال الحرام لا يصبح حلالاً إذا أُحيط بعبارة « الحمد لله »، والسرقة لا تتحول إلى رزقٍ بمجرد أن يرفع السارق يديه إلى السماء.
والأكثر إثارة للسخرية أن بعض الناس يملكون قدرة عجيبة على اكتشاف « فضل الله » في حساباتهم البنكية، لكنهم يفقدون هذه القدرة تمامًا عندما يبحث الفقير عن حقه في راتب أو دواء أو رغيف.
يا سادة، ليس كل ما دخل الجيب رزقًا، وليس كل ما لمع في القصر نعمة، وليس كل سيارة فارهة دليل نجاح.
أحياناً تكون السيارة الفارهة مجرد شاهدٍ صامت على أن الفقير دفع ثمنها ولم يركبها.
والقصر الفخم قد يكون أجمل مبنى في الحي، لكنه لا يستطيع أن يخفي سؤالاً واحداً :
من أين لك هذا ؟
لكن دعونا نكون أكثر صراحة:
حين يُسرق مال الشعب، لا تختفي الأرقام فقط من دفاتر الدولة؛ تختفي معها وجبات من موائد الفقراء، وأدوية من أيدي المرضى، وكتب من حقائب الأطفال، وفرص من مستقبل الشباب.
ولهذا فالمشهد الحقيقي ليس رجلاً يركب سيارة فارهة.
المشهد الحقيقي هو فقيرٌ يمشي حافياً، والسيارة التي تمر بجانبه ربما يكون قد دفع جزءًا من ثمنها من لقمة أطفاله.
أما القصر، فليست المشكلة أنه مرتفع.
المشكلة أن أساساته قد تكون أعمق من أحلام الذين دفعوا ثمنها.
وفي النهاية، يستطيع السارق أن يشتري بيتًا، وسيارة، وحسابًا مصرفيًا، وربما يشتري حول نفسه كثيراً من الصمت.
لكن هناك شيئًا واحداً لا يستطيع شراءه:
أن يجعل المظلوم ينسى.
قد ينام هو في سرير فاخر، بينما ينام صاحب الحق على الرصيف.
وقد يضع حارسًا على باب قصره، لكن لا أحد يستطيع أن يحرسه من سؤالٍ واحد سيظل يطارده:
كم رغيفًا سرقتَ كي تبني هذا القصر؟
وحينها لن تنفعه عبارة:
«هذا من فضل ربي».
لأن المشكلة لم تكن يوماً في فضل الله…
المشكلة أنكم أخذتم نصيب الفقراء، ثم طلبتم من السماء أن تمنح سرقتكم اسمًا جميلًا.