ليست كل المعارك تُحسم بالسلاح وحده؛ فبعضها تصنعه عبقرية القيادة، وصلابة الإرادة، ووحدة الصف. ومن هنا تتجلى بطولات الجيش والمقاومة وأبطال تعز، الذين جعلوا من الصمود موقفًا، ومن الدفاع عن الأرض والكرامة مسؤولية وطنية لا تقبل المساومة.
إنها معركة تتجاوز حدود الجغرافيا، لتلامس هوية اليمن ومستقبله العربي، في مواجهة مشروعات التوسع والنفوذ التي تستهدف سيادة الدول، وتعبث بالنسيج الاجتماعي، وتغذي الانقسامات. إنها معركة العقيدة والهوية والسيادة، معركة لا تكسبها الشعارات، بل تحسمها القيادة الحكيمة، والإرادة الصلبة، ووحدة الهدف.
وفي قلب هذا المشهد، تقف المملكة العربية السعودية بثقلها العربي والإقليمي، ويظل أمنها جزءًا مهمًا من أمن المنطقة واستقرارها. فالعلاقة بين عدن والرياض ليست مجرد جغرافيا ومصالح، بل امتداد لروابط عربية تستوجب التعاون والاحترام المتبادل، في مواجهة الأخطار التي تهدد حاضر المنطقة ومستقبلها.
وفي ميادين الشرف، تتقدم ألوية العمالقة وسائر القوات الوطنية، بقياداتها ومقاتليها، وفي مقدمتهم أبو زرعة المحرمي، ضمن مشهد التضحيات التي تستحق التقدير. فالرجال تُعرف مواقفهم عند الشدائد، والقيادات تُقاس بقدرتها على إدارة المسؤولية وصون الأرواح وتحقيق الأهداف الوطنية.
الحفل الحقيقي في الجبهات، والبطولة في ميادين الواجب، والنصر في حماية الوطن وكرامة الإنسان.
أما الجنوب، فقضيته أكبر من أن يحتكرها مكون أو تختزلها قيادة أو منطقة. والحوار الجنوبي–الجنوبي هو الطريق نحو توافق يحفظ الحقوق ويصون الإرادة الشعبية؛ فلا قضية عادلة تُبنى بالإقصاء، ولا مستقبل مستقرًا يُصنع بالتخوين، ولا شراكة وطنية تنجح دون احترام الاختلاف.
وعدن، مدينة العروبة والانفتاح، لا يليق بها أن تكون ساحة للخصومات مع أشقائها، بل جسرًا للتعاون والتكامل العربي. فمواجهة التدخلات الخارجية تبدأ بتحصين الجبهة الداخلية، واستعادة مؤسسات الدولة، ومكافحة الفساد، ورفض الطائفية والمناطقية التي تمزق المجتمعات وتبدد التضحيات.
لكن المعركة لن تكتمل ما دامت صنعاء بعيدة عن مشروع الدولة والقرار الوطني المستقل. فصنعاء ليست مجرد عاصمة، بل تاريخ وهوية وعمق عربي أصيل، واستعادة مكانتها لا تعني استعادة مدينة فحسب، بل استعادة اليمن لقراره وسيادته ومستقبله.
وكما أثبتت عدن أن إرادة الشعوب قادرة على تغيير المعادلات، فإن الأمل معقود على أن تستعيد صنعاء عروبتها ودورها الوطني، وأن يعود اليمن موحد القرار، حر الإرادة، بعيدًا عن مشاريع الهيمنة والتبعية. فطريق ذلك يبدأ بوحدة الصف، وإنهاء الانقسام، وبناء دولة عادلة تحمي جميع أبنائها.
إن الرهان اليوم أكبر من انتصار ميداني عابر؛ إنه رهان على مستقبل اليمن، وعلى قدرة أبنائه على تحويل التضحيات إلى دولة، والصمود إلى استقرار، والاختلاف إلى شراكة وطنية.
ستبقى تعز عنوانًا للصمود، وعدن شاهدًا على قوة الإرادة، وصنعاء أملًا باستعادة الدولة وهويتها العربية. وبين هذه المدن الثلاث تتجسد حكاية وطن لا يستحق أن يبقى أسير الحرب والانقسام.
من تعز تبدأ حكاية الصمود، ومن عدن يتجدد الأمل، وإلى صنعاء تتجه الأنظار؛ حتى يستعيد اليمن دولته وقراره ومكانته العربية.
فالأوطان لا يحميها السلاح وحده، بل تحميها وحدة الصف، وحكمة القيادة، وعدالة القضية. وحين تلتقي هذه العناصر، تصبح التضحيات طريقًا إلى النصر، ويصبح النصر بدايةً لوطن يستحق الحياة.