آخر تحديث :الأحد-01 نوفمبر 2026-10:12م

عمق القلق الذي يسكن أروقة النظام الإيراني لن تخفيه أدوات القمع

الأربعاء - 14 أكتوبر 2026 - الساعة 07:45 م
محمد المسبحي


تتجاوز الأزمة الحالية في إيران حدود الاضطراب الاقتصادي العابر أو الموجة الاحتجاجية المؤقتة التي اعتادت السلطة على احتوائها بالوعود أو إخمادها بالضغط الأمني. فالمشهد الراهن يفصح عن تراكم بنيوي حاد يمس مفاصل النظام ذاته، حيث يلتقي التدهور المعيشي المتسارع بتآكل القيمة الشرائية وتهاوي العملة الوطنية، مع اتساع رقعة الاحتجاجات في أبعادها الاجتماعية والمناطقية، بالتوازي مع التصدعات الظاهرة داخل مؤسسات الحكم والقرار.

ولعل أبلغ دليل على عمق القلق الذي يسكن أروقة النظام، هو انصراف المواقف الرسمية عن تقديم حلول ملموسة لمسببات الاحتقان والتركيز بدلاً من ذلك على تحذير أجهزة الدولة من تداعيات استفزاز الشارع. ويسهم هذا النهج في ترسيخ انطباع لدى الرأي العام بأن الإدارة السياسية باتت مدركة لحجم المأزق الاجتماعي، دون أن تملك في الوقت نفسه أدوات حقيقية للمعالجة.

وفي ظل وصول سعر الصرف إلى مستويات قياسية، بوصول الدولار إلى نحو 270 ألف تومان، وتجاوز تضخم بعض السلع الأساسية 150 إلى 160 في المئة، هنا يصبح هذا التحذير أقرب إلى اعتراف بأن السلطة تدرك خطورة الوضع الاجتماعي الذي تواجهه. فالأرقام المالية المتعلقة بضخ السيولة اليومية وتضخم القاعدة النقدية تعكس استنزافاً مستمراً لقدرة المواطن الإيراني على تأمين احتياجاته الضرورية، وتحويلاً متدرجاً للأزمة المادية إلى أزمة ثقة وتساؤلات سياسية شائكة حول كفاءة الإدارة والمسار العام.

وهنا تبدأ الأزمة الاقتصادية في التحول إلى حالة رفض سياسي شاملة. فالتحركات الاحتجاجية الموزعة بين المتقاعدين والعمال والقطاعات الخدمية والتجارية والطلاب والكوادر الصحية، تشير إلى أن الاحتجاج لم يعد ظاهرة تخص فئة أو مدينة بعينها، بل أضحى تعبيراً عن حالة إحباط عامة تتجاوز المطالب الفئوية المباشرة إلى المساءلة الكلية للمنظومة الاقتصادية والسياسية.

وفضلاً عن ضغط الشارع، تسهم الممارسات الإدارية والملفات القضائية المتصلة بالتجاوزات المالية واستقالات المسؤولين وخسائر الشركات التابعة للدولة في تقويض السردية الرسمية الداعية للتقشف، مما يضاعف من الفجوة المفهومية بين المجتمع ومراكز القرار. ومع تراجع الخيارات الاقتصادية الفعالة، تعود أجهزة الدولة للتركيز على الأبعاد الأمنية وتضييق الهامش العام، وهو مسار يقلل من احتمالات الحوار ويعزز القناعة الشعبية بصعوبة التغيير عبر الأدوات التقليدية.

فالاستناد إلى الخيار الأمني قد يفلح في إدارة الأزمات المباشرة وتأجيل استحقاقاتها، لكنه لا يلغي أسبابها، بل يجازف بتحويل الاحتجاجات المعيشية إلى حالة رفض سياسي أكثر صلابة وتنظيماً، لا سيما مع دخول أبعاد أمنية وميدانية جديدة على خط المواجهة. وعلى الرغم من أن أجهزة الدولة ما زالت تحتفظ بالقدرة المادية والمؤسسية على فرض السيطرة والمساكة الظاهرية، فإن هامش المناورة المتاح أمامها يضيق بشكل ملحوظ، ويؤدي الاستقطاب المتزايد إلى إضعاف فرص الإصلاح الهيكلي، ويضع إيران أمام حلقة مفرغة تجمع بين الضغط المعيشي والاحتقان الاجتماعي والتشدد الإداري.

ولعل العبرة الأساسية التي تقدمها تجارب التاريخ السياسي هي أن الدول لا تسقط بالضرورة تحت وطأة الأزمات المعيشية المتفردة وانما تتآكل عندما تعجز بواباتها المغلقة عن استيعاب تحولات الشارع وعن إعادة بناء شرعيتها التوافقية.

ومن يسأل عن إيران اليوم، فأقول له إنها تسير في طريق مسدود ينحسر فيه هامش الخيارات؛ فالإصرار على التغاضي عن الجذور الحقيقية للمأزق، والاعتماد الحصري على أدوات الضغط، لن يمنح السلطة سوى مهلة مؤقتة، تجعل المواجهة المقبلة أكثر قسوة وأصعب احتواءً، خصوصا حين تتلاشى المساحات الوسطى بين الدولة ومجتمعها، ويفقد المجتمع اقتناعه بجدوى السياسات التي تحكم واقعه.