آخر تحديث :الأربعاء-28 أكتوبر 2026-11:39ص

بين فجر اليمن وذكرى أكتوبر: إلى أين تتجه المعركة، وما فرص السلام؟

الثلاثاء - 13 أكتوبر 2026 - الساعة 07:08 م
محمد خالد الحسيني


تعود ذكرى ثورة الرابع عشر من أكتوبر هذا العام واليمن يقف عند مفترق طرق بالغ الخطورة؛ فبدلاً من أن تكون المناسبة محطة لاستحضار معاني التحرر وبناء الدولة، تأتي في ظل تصعيد عسكري متسارع، واتساع رقعة المواجهة، وتداخل الحسابات المحلية والإقليمية.

وبينما تتقدم لغة السلاح على لغة الحوار، يبرز السؤال الأهم: هل تمهد عملية فجر اليمن لاستعادة الدولة، أم تدفع البلاد إلى جولة أكثر اتساعاً وتعقيداً من الحرب؟

المشهد الراهن تحكمه تطورات متشابكة، تمتد من المواجهات في تعز ولحج والساحل الغربي إلى تبادل التهديدات بين الحوثيين والسعودية، مروراً بالتحركات السياسية والشعبية في الجنوب.

إنها أحداث متسارعة تتداخل فيها الأهداف العسكرية بالحسابات السياسية، وتتشابك فيها الأزمة اليمنية مع صراعات الإقليم، بما يجعل مسارها مفتوحاً على احتمالات متعددة.

وتكتسب التحذيرات الحوثية للسعودية، وما يصاحبها من تهديدات بتوسيع نطاق الرد، أهمية استثنائية في ظل التصعيد المتبادل.

وفي المقابل، تمثل دعوة السعودية المدنيين إلى إخلاء موقع محطة الصباحة المركزية التابعة لشركة النفط اليمنية في صنعاء، تمهيداً لعملية عسكرية، مؤشراً على دخول المواجهة مرحلة أكثر حساسية، تتقدم فيها الإنذارات العسكرية على فرص الاحتواء.

هنا تتجلى مفارقة الحرب؛ فالتهديدات الحوثية باستهداف العمق السعودي تقابلها استعدادات لتوسيع العمليات داخل اليمن، فيما يجد المدنيون أنفسهم مجدداً في مواجهة مخاطر لا يملكون قرارها.

ولطالما سعت الرياض إلى احتواء الحرب والبحث عن مخرج سياسي يحد من كلفتها، لكن التطورات الراهنة تكشف أن الصراعات، حين تتجاوز حدودها المحلية، يصعب التحكم في مساراتها.

فالحرب إذا اتسعت دوائرها لا تلتزم دائماً بالسقوف التي يرسمها أطرافها، وقد تقود الحسابات الخاطئة إلى تصعيد يتجاوز ما أراده الجميع.

على الأرض، تظل تعز ولحج والساحل الغربي ومحيط باب المندب ساحات اختبار لموازين القوة.

غير أن نتائج المعارك، مهما بلغت أهميتها، لا تكفي وحدها للحكم على مستقبل عملية فجر اليمن.

فالتقدم العسكري لا تكتمل قيمته بالسيطرة على المواقع، وإنما بالقدرة على تثبيت الأمن، وحماية السكان، وإدارة المناطق المحررة، وتحويل المكاسب الميدانية إلى واقع مؤسسي مستدام.

وفي رأيي، فإن مستقبل العملية لن تحدده نتائج المواجهات وحدها، بل قدرة القوى المناهضة للحوثيين على توحيد قرارها وتجاوز خلافاتها، وربط التحرك العسكري بمشروع سياسي واضح.

فاستعادة الدولة ليست مجرد استعادة مواقع أو تغيير خطوط تماس، بل استعادة مؤسسات وقرار وطني موحد، وبناء سلطة قادرة على فرض القانون وتوفير الأمن والخدمات.

ومن دون ذلك، قد تنتهي المعارك إلى إعادة توزيع مناطق النفوذ بدلاً من إنهاء الأزمة.

وفي الجنوب، تعكس التحركات السياسية والشعبية المتزامنة مع ذكرى أكتوبر إصراراً على إبقاء القضية الجنوبية حاضرة في أي ترتيبات مقبلة، والتأكيد أن مستقبل البلاد لا يمكن أن يُحسم بمعزل عن تطلعات الجنوبيين.

وفي اعتقادي، فإن أي مسار وطني يتجاهل هذه القضية أو يتعامل معها بوصفها ملفاً ثانوياً سيظل عرضة للتعثر، فيما يتطلب تحويل المطالب السياسية إلى مسار وطني واضح، تغليب الحوار وتجنب التصعيد الداخلي.

ورغم تراجع فرص التهدئة في ظل المواجهات الراهنة، لا يمكن استبعاد الحل السياسي نهائياً.

فاستمرار الحرب يرفع كلفتها الإنسانية والاقتصادية ويوسع دائرة المخاطر، لكنه لا يضمن حسم الصراع.

وتبقى فرص التسوية رهناً باستعداد الأطراف لمراجعة حساباتها، وتوفير ضمانات جدية، ومعالجة القضايا التي ظلت تعطل الاتفاقات، وفي مقدمتها شكل الدولة، وتعدد مراكز القرار، ومستقبل الجنوب، والتدخلات الإقليمية.

وحتى تتوافر هذه الشروط، سيظل السلام احتمالاً مؤجلاً أكثر منه مساراً واضح المعالم.

في ذكرى ثورة الرابع عشر من أكتوبر، تبدو المفارقة مؤلمة: ثورة انطلقت من أجل التحرر، ووطن لا يزال يبحث عن دولة تجمع أبناءه، وتحمي سيادته، وتنهي تعدد السلطات والسلاح.

وبين ذاكرة الثورة وواقع الحرب، تتجدد الأسئلة حول معنى الاستقلال، وما إذا كانت التضحيات المتراكمة ستفضي أخيراً إلى دولة مستقرة، أم ستظل البلاد تدور في حلقات الصراع ذاتها.

وفي نظري، لا تُقاس استمرارية الثورة بتكرار الشعارات، بل بالقدرة على تحقيق أهدافها في الحرية والكرامة وبناء المؤسسات.

كما أن معركة استعادة الدولة لا تكتمل بالحسم العسكري وحده، بل تحتاج إلى مشروع وطني يتسع لمختلف المكونات، ويعالج أسباب الانقسام، ويؤسس لسلطة تستمد قوتها من مؤسساتها، لا من تعدد تشكيلاتها المسلحة.

إلى أين تتجه البوصلة؟ لا توجد إجابة محسومة في ظل هذه التطورات المتسارعة، فقد تفضي المواجهات إلى تحولات ميدانية جديدة، أو تدفع البلاد نحو حرب أطول وأكثر كلفة، فيما تبقى فرص السلام مرتبطة بقرارات لم تنضج شروطها بعد.

لكنني أرى أن اليمن لا يحتاج إلى انتصار عسكري معزول بقدر حاجته إلى نهاية سياسية تعيد الاعتبار للدولة وتضع حداً لدورات العنف.

وفي رأيي، فإن المعركة الحقيقية ليست في اتساع رقعة المواجهة، بل في استعادة الدولة وإنهاء دوامة الصراعات والانقسامات.

فذكرى أكتوبر ليست لمجرد استحضار ماضٍ تحرري، بل تذكير بأن الثورة لا تكتمل إلا ببناء دولة تحمي السيادة وتصون كرامة الإنسان.

وبين فجر اليمن ومعركة استعادة الدولة، يبقى النصر الحقيقي في أن يستعيد اليمن وطنه، حتى لا تضطر الأجيال القادمة إلى خوض معركة التحرر ذاتها من جديد.

محمد خالد الحسيني