في الرابع عشر من أكتوبر، من كل عام، أقف حائرًا أمام خزانة ملابسي؛ أأرتدي الثوب الأبيض احتفاءً بذكرى التحرير، أم أرتدي الأسود حدادًا على وطنٍ لم يعرف، منذ ذلك اليوم، طريقه إلى الاستقرار؟
أريد أن أرفع العلم، أن أحتفل، أن أفرح كما يفرح أبناء الشعوب التي استعادت حريتها، وأن أقول للعالم إننا طردنا الإمبراطورية البريطانية العظمى، وانتزعنا استقلالنا، وفتحنا أبواب المستقبل لأجيالنا. لكن شيئًا في أعماقي يمنعني من اكتمال الفرحة، وشيئًا في ذاكرتي يشدني إلى الوراء، وشيئًا في واقعنا يصفعني كلما هممت بالتصفيق.
يا إخواني، أرشدوني: هل تحررنا فعلًا؟ وماذا جنينا من ذلك التحرير؟ وأين هي الدولة التي حلم بها أولئك الذين حملوا أرواحهم على أكفهم في جبال ردفان، وأشعلوا شرارة الثورة في وجه واحدة من أعظم الإمبراطوريات في العالم؟
لا أحد يستطيع إنكار حق الشعوب في الاستقلال، ولا أريد أن أكون ظالمًا لتضحيات المناضلين الذين واجهوا الاستعمار ودفعوا أثمانًا باهظة من دمائهم. لكن الوفاء لتضحياتهم لا يعني أن نكذب على أنفسنا، ولا أن نحول ذكرى الثورة إلى طقسٍ سنوي نردد فيه الأناشيد، بينما نغض الطرف عن وطنٍ تتنازعه البنادق، وتنهشه الصراعات، ويُذل فيه الإنسان، ويهاجر أبناؤه بحثًا عن لقمة العيش والأمان.
تقتلني الصور القديمة لمدينة عدن؛ شوارعها، ومحالها التجارية، ومدارسها، ووجوه تلاميذها وهم يتجهون إلى مقاعد الدراسة. لا أستحضر تلك الصور حبًا في الاستعمار، ولا حنينًا إلى التبعية لبريطانيا، وإنما لأنني أتألم حين أقارن ما أراه في تلك الصور بما آل إليه حالنا اليوم.
وأتساءل بحرقة: كيف استطاعت عدن، بكل ما كان فيها من حياةٍ وحركةٍ ونظام، أن تبدو في بعض تلك الصور أكثر انتظامًا مما نراه اليوم في مدنٍ يفترض أنها تحررت منذ عقود؟ وكيف أصبحنا، بعد أكثر من ستة عقود على الاستقلال، نبحث عن أبسط مقومات الدولة، وعن كهرباء لا تنقطع، وطرقات لا تتحول إلى حفر، ومؤسسات لا تبتلعها المصالح، وأمنٍ لا يكون رهينة بندقية هذا الطرف أو ذاك؟
إنها أسئلة موجعة، لكنها ليست خيانة للوطن، بل ربما كانت أصدق أشكال الوفاء له.
ويزداد وجعي حين أتذكر أن عددًا من قادة اليمن، ممن تولوا المسؤوليات السياسية والعسكرية في مراحل مختلفة، تلقوا تعليمهم في عدن خلال العهد البريطاني، وبعضهم لا يزال حاضرًا في المشهد، وبعضهم رحل عن الدنيا. فأي مفارقة هذه؟ جيلٌ تلقى تعليمه في مدينة كانت خاضعة للاستعمار، ثم تعاقبت بعده أجيالٌ في ظل الاستقلال، ومع ذلك لا يزال اليمنيون يصارعون الأمية والفقر، ويبحثون عن مدارس صالحة، ومستشفيات قادرة على إنقاذ مرضاهم، ودولة تحمي حقوقهم.
لا يعني ذلك أن الاستعمار كان رحيمًا، أو أنه جاء من أجل عيوننا، أو أن ما تركه من مؤسسات وخدمات كان دليلًا على عدالة حكمه. فالاستعمار، مهما نظم شارعًا أو بنى مدرسة، يظل سلطةً مفروضةً على شعبٍ حُرم حقه في تقرير مصيره. لكن السؤال الذي يطاردني هو: لماذا لم نستطع، نحن أصحاب الأرض والسيادة، أن نبني دولةً أفضل، وأكثر عدلًا وإنسانية، من الدولة التي ورثنا بعض مؤسساتها؟
أليس هذا هو الامتحان الحقيقي للاستقلال؟
وأنا أجلس مع رجالٍ طاعنين في العمر، بعضهم رحل إلى جوار ربه، أسمع في أحاديثهم حسرةً لا تخطئها الأذن، وألمح في وجوههم ندمًا على ما آلت إليه الأحوال. يتحدث بعضهم عن أيام عدن القديمة، وعن انتظام الحياة، وعن الأمن والعمل والتجارة، حتى يخيل إليك أنهم يترحمون على زمن الاستعمار نفسه.
لا ألومهم على حسرتهم، وإن كنت لا أوافق بالضرورة على حنينهم. فالإنسان حين يُحرم أبسط حقوقه، قد يستدعي من الماضي ما يراه أكثر استقرارًا، حتى لو كان ذلك الماضي يحمل في جوهره انتقاصًا من سيادته وكرامته.
إنها مأساة أن يصل المواطن إلى مرحلة يقارن فيها بين قسوة المحتل وعجز الحاكم الوطني، ثم لا يجد في حاضره ما يدافع به عن اختياره التاريخي للاستقلال.
يا الله، كم هو مؤلم أن يصبح الاستقلال، في ذاكرة بعض الناس، سؤالًا بدل أن يكون جوابًا، وحسرةً بدل أن يكون عيدًا!
لقد وُلدتُ عام 1967، في سنة الاستقلال، وكنت أتمنى لو أنني وُلدتُ على أبواب عصرٍ من النور، في وطنٍ ينهض من الاستعمار إلى الحرية، ومن الفقر إلى الازدهار، ومن التبعية إلى السيادة. كنت أظن أنني وُلدتُ في زمن الخير والبركة، وأن الأجيال التي ستأتي بعدي ستعيش في دولةٍ مستقرة، تتعلم وتعمل وتبدع، وتتنافس في البناء بدل أن تتنافس في هدم بعضها بعضًا.
لكنني، كلما تأملت مسيرة هذا الوطن، شعرت أنني وُلدتُ في موعدٍ مع المأساة.
منذ طفولتي، وأنا أشاهد أحلام اليمنيين تتعثر، وخرائطهم السياسية تتبدل، ودولتهم تتشظى، وحروبهم تتناسل كأنها قدرٌ لا فكاك منه. انتقلنا من صراعات إلى صراعات، ومن شعاراتٍ كبيرة إلى خيبات أكبر، ومن وعود الخلاص إلى واقعٍ يزداد قسوةً على الإنسان البسيط.
وكلما ظننا أننا بلغنا نهاية النفق، اكتشفنا أننا ندخل نفقًا آخر، أشد ظلمةً وأطول مسافة.
أيُّ لعنةٍ هذه التي تجعل الوطن عاجزًا عن الاحتفاظ بمكسب، أو صيانة منجز، أو حماية جيلٍ من أن يرث كوارث الجيل الذي سبقه؟
لقد قرأتُ يومًا للبردوني عبارته الشعرية الموجعة: "من مستعمرٍ غازٍ إلى مستعمرٍ وطني". وهي عبارة تختصر، في قسوتها، مأزق الشعوب التي تطرد المحتل الأجنبي، ثم تجد نفسها أسيرة استبدادٍ محلي، أو سلطةٍ لا ترى في الوطن سوى غنيمة، ولا في المواطن سوى تابعٍ أو وقودٍ لمعاركها.
فما قيمة أن يرحل المستعمر إذا بقي الاستبداد؟ وما جدوى أن يتغير العلم فوق المباني إذا ظل الإنسان خائفًا وجائعًا ومهانًا؟ وما معنى السيادة إذا كان المواطن لا يملك قراره، ولا يأمن على حياته، ولا يستطيع أن يخطط لمستقبل أبنائه؟
إن الاستقلال ليس مجرد خروج جنودٍ أجانب، وليس نشيدًا يُعزف، ولا علمًا يُرفع، ولا خطابًا يُلقى في مناسبة وطنية. الاستقلال الحقيقي هو أن يشعر الإنسان أن بلاده له، وأن القانون يحميه، وأن كرامته ليست منحةً من مسؤول، وأن ثروات وطنه ليست ملكًا لعصابة، وأن اختلافه مع الحاكم لا يحوله إلى عدو، وأن أبناءه يستطيعون أن يعيشوا بكرامة دون أن يضطروا إلى الهجرة أو حمل السلاح.
أما إذا غابت هذه المعاني، فإن الاستقلال يبقى ناقصًا، مهما علت أصوات الاحتفالات.
ومع ذلك، لن أسمح لليأس أن يقنعني بأن الاستعمار كان خيارًا أفضل، ولن أختزل تاريخ شعبٍ كامل في إخفاق حكامه، ولن أحمّل مناضلي الأمس مسؤولية كل خطايا من جاء بعدهم. فبين الذين ضحوا من أجل الحرية، وبين الذين استولوا على السلطة باسمها، مسافةٌ أخلاقية وتاريخية شاسعة.
لكنني أرفض أيضًا أن يطالبني أحدٌ بالاحتفال الأعمى، أو أن يعتبر نقد واقعنا إساءةً إلى الثورة. فالذين استشهدوا من أجل وطنٍ حر لا يستحقون منا أن نكتفي بتمجيد ذكراهم؛ بل يستحقون أن نسأل أنفسنا بصدق: ماذا فعلنا بالوطن الذي دفعوا حياتهم من أجله؟
في الرابع عشر من أكتوبر، سأظل أرى العلم اليمني رمزًا لوطنٍ يستحق الحياة، وسأظل أحترم ذكرى الثورة وتضحيات رجالها، لكنني لن أخفي وجعي خلف ابتسامةٍ مصطنعة، ولن أرتدي ثوب الاحتفال لمجرد أن التقويم يقول إن اليوم عيد.
أريد أن أحتفل، والله أريد ذلك من أعماق قلبي. أريد أن أرفع العلم وأنا مطمئن إلى أن أبناء بلادي يعيشون في سلام، وأن مدنهم آمنة، وأن مدارسهم تفتح أبوابها، وأن المعلم لا يموت جوعًا، وأن المواطن لا يقف على أبواب المسؤولين طلبًا لحقه، وأن البندقية عادت إلى الثكنات، وأن الدولة استعادت مكانها من أيدي المتنازعين على السلطة والثروة.
أريد أن يأتي يومٌ لا يسأل فيه أبنائي وأحفادي: هل تحررنا فعلًا؟ بل يسألون: كيف استطاع آباؤنا أن يحولوا الاستقلال إلى دولةٍ تستحق أن نعيش فيها؟
ذلك هو اليوم الذي سأرتدي فيه الأبيض دون تردد، وأرفع العلم دون أن أشعر أنني أخون حزني أو أزوّر ذاكرتي.
أما اليوم، فإنني أقف بين الأبيض والأسود، بين فرحةٍ مؤجلة وحسرةٍ لا تنتهي، وأقول لوطني الجريح:
يا يمن، لم يكن ذنبك أنك تحررت من الاستعمار، بل كانت مأساتك أنك لم تستطع، حتى الآن، أن تحرر الإنسان من الخوف والجوع والاستبداد، وأن تجعل من استقلال الأرض بدايةً لاستقلال الحياة.
فحسبي الله ونعم الوكيل في كل من جعل من أحلام اليمنيين ركامًا، ومن دماء أبنائهم سلّمًا إلى السلطة، ومن وطنهم ساحةً لتصفية الحسابات.
رحم الله من ضحوا من أجل الحرية، ورحم الله وطنًا ما زال أبناؤه ينتظرون أن يصبح مستقلًا بحق.
وكل عام واليمن أقرب إلى الدولة، وأبعد عن المأساة.