تظل الجغرافيا هي المسرح الأزل والأعمق للصراعات بين الدول ، فالتاريخ في جوهره ليس سوى سلسلة من النزاعات الجيوسياسية ، حيث يسعى طرف لفرض هيمنته وسيطرته بغية الاستحواذ على مقدرات وثروات الآخرين ، بينما يستميت الطرف الآخر في الدفاع عن سيادته الوطنية ، وقراره المستقل ، وسلامة أراضيه ، رافضاً التبعية والوصاية بكافة أشكالها .
إن هذه الصراعات تتخذ أنماطاً متعددة تفرضها الطبيعة الجغرافية ، فمنها ما يدور براً للسيطرة على الأرض والنزاع على الثروات الطبيعية الكامنة في باطنها ، ومنها ما يشتعل بحراً عبر التنافس المحموم للتحكم في الممرات المائية والمضايق الاستراتيجية التي تمثل شرايين الاقتصاد العالمي .
وفي كلتا الحالتين ، تظل الجغرافيا والمصالح الاقتصادية هي الوقود الحقيقي الذي يغذي هذه الحروب ، بينما يظل الدفاع عن الهوية والسيادة هو دافع الشعوب لحماية مقدساتها الوطنية .
ولعل أخطر ما يواجه منطقتنا العربية في هذا السياق ، هو إداراة هذه الصراعات السياسية تحت مظلات وشعارات مذهبية وطائفية مصطنعة . يراد من هذه التعبئة العاطفية تحويل جيل الشباب من أبناء العامة إلى وقود يحترق في أتون هذه المعارك، في حين ينأى صناع القرار وأبناء النخب الحاكمة بأنفسهم عن هذه المحرقة نزولهم الفنادق الفاخرة بدول الجوار ، ليعيشوا في مأمن من نارها التي تلتهم البسطاء والمغرر بهم .
وتقدم الحالة اليمنية قراءة تاريخية بليغة تعري زيف هذه الشعارات وتؤكد براغماتية المصالح. فبالعودة إلى التاريخ القريب ، وتحديداً عقب ثورة 26 سبتمبر 1962م ، نجد أن الحرب دارت بين مشروعين ، مشروع سعى لفرض الهيمنة والوصاية ، ومشروع دافع عن الإرادة الوطنية والجمهورية. حينها ، ساندت المملكة العربية السعودية (ذات التوجه السني) النظام الملكي ( الإمامي ) (ذات المرجعية الزيدية الشيعية) المخلوع ، في مواجهة النظام الجمهوري الوليد في صنعاء الذي كان يقوده رجالات اليمن بدعم من النظام القومي العربي برئاسة جمال عبد الناصر.
أما اليوم فتحت وطأة تبدل المصالح وتحول التحالفات ، نجد المفارقة الكبرى ، حيث ترفع السعودية وغيرها من دول الجوار لليمنشعارات محاربة التمدد الشيعي في اليمن ، والدفاع عن السنة ، وهي قوى كان قد جرى محاربتها والوقوف ضدها في ستينيات القرن الماضي بسبب تحالفها مع عبد الناصر الذي كان يُنظر إليه كخصم لدود .
هذا التناقض الصارخ يُثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الحرب لم تكن يوماً دينية أو مذهبية ، بل هي حرب مصالح ونفوذ ، يسعى فيها طرف لفرض التبعية وتأمين مكتسباته الجغرافية براً وبحراً ، بينما يدافع الطرف اليمني عن سيادته ، وقراره المستقل ، وثرواته المنهوبة.
إن إلباس الحروب أثواباً متعددة وتسميات براقة تارة باسم الطائفية وحماية العقيدة ، وتارة أخرى باسم حق الأخوة وحسن الجوار ، ليس سوى أدوات تضليلية تهدف لتمرير أجندات توسعية , والأدهى من ذلك ، أن العديد من هذه القوى الإقليمية لا تتحرك بدافع ذاتي مستقِل ، بل تتحول في كثير من الأحيان إلى أدوات وظيفية تخدم مصالح قوى استعمارية عالمية كبرى ، تتصارع على تقاسم النفوذ في هذه المنطقة الاستراتيجية من العالم.
في النهاية ، تذهب الشعارات المذهبية جفاء مع أول تفاهم سياسي بين الكبار ، وتبقى الحقيقة الجغرافية وحدها ثابثة ، ويبقى وعي الشعوب بحقها في السيادة والحرية هو الصخرة التي تتحطم عليها أوهام الهيمنة والوصاية .
عبدالكريم الدالي