آخر تحديث :الأحد-01 نوفمبر 2026-10:12م

دماج.. الإنذار الذي تجاهله السياسيون

الثلاثاء - 13 أكتوبر 2026 - الساعة 01:51 م
محمد المسبحي


حين يستعيد المرء شريط السنوات التي سبقت السقوط الكبير في اليمن، يدرك كم كانت البصيرة غائبة حين أُدير الظهر لتحذيرات مبكرة أطلقها من قراءة المشهد من زاويته الأصلية. لقد كان التيار السلفي، بحسب ما أشار إليه رئيس الوزراء السابق الدكتور أحمد بن مبارك، ينظر إلى خطر جماعة الحوثي بمنظور عقدي لا يقبل المساومة، بينما انشغلت بقية المكونات السياسية اليمنية بموازنات السلطة وتقاسم النفوذ، متعاملة مع التمدد المسلح كأنه مجرد ورقة ضغط في صراع حزبي عابر. ولو أن النوايا انصرفت إلى الإصغاء لتلك القراءات المبكرة التي انطلقت مع تآكل حضور الدولة في أطراف الشمال، لربما تغير مسار التاريخ ولما وجد اليمنيون أنفسهم اليوم في قلب هذه المأساة الممتدة.

لم تبدأ الحكاية بسقوط العاصمة صنعاء، بل شُيّدت لبناتها الأولى في جبال صعدة وتحديداً في منطقة دماج، حيث انكشف الغطاء الرسمي للدولة مع أحداث عام 2011. وحين خلت صعدة من مظلة السلطة وتركت لسيطرة الحوثيين المطلقة في مارس من ذلك العام، تحولت دار الحديث وطلابها إلى الهدف الأقرب في معركة فرض الهيمنة بالقوة والسلاح. وهناك، وسط جغرافيا وعرة وعزلة فرضها الحصار، دارت فصول صراع مرير استمر أعواماً، تخللته مناوشات متقطعة في 2012 واتهامات متبادلة، قبل أن ينفجر الوضع في نوفمبر 2013 إلى حرب واسعة استخدمت فيها المدفعية الثقيلة وحاصرت الأرواح لأسابيع طوال.

تلك الأيام في دماج كانت إشارة واضحة عما ينتظر البلاد برمتها، غير أن السياسيين آثروا الصمت والمناورة، معتبرين أن ما يجري خلف جبال صعدة شأن معزول لا يهدد حساباتهم. وانتهت تلك المأساة في يناير 2014 باتفاق تهجير بوساطة رئاسية، أُخرج بموجبه السلفيون وطلاب العلم من ديارهم قسراً، في رسالة كشفت المسار الذي يمضي فيه المشروع المسلح. لقد ظن كثيرون أن الأزمة ستتوقف عند حدود دماج، بينما كانت تلك النهاية القسرية مجرد الخطوة الأولى في انهيار أوسع أكل الأخضر واليابس.

وحين يستعيد الإنسان شريط الذاكرة ويقارن بين ما كان ممكناً تفاديه بالأمس وما آلت إليه أوضاع البلاد اليوم من تداعيات كارثية وحرب مدمرة، يدرك كم كانت الفاتورة باهظة نتيجة التجاهل الرسمي والحزبي لتحذيرات السلفيين. لو أن النخب السياسية قرأت المشهد بعين الواقعية وجاهرت بمواجهة الخطر منذ اللحظات الأولى لتمظهراته في صعدة، لما وجد اليمن نفسه غارقاً في أتون هذه المأساة الوجودية. إنها لعمري عبرة بليغة، تؤكد أن التهاون في مواجهة المشاريع العابرة للوطنية لا ينقذ أحداً، بل يؤجل فقط ساعة الصفر لتدفع الأمة بأسرها الثمن الأثقل.

في دماج كان الخطر صغيراً بما يكفي لمواجهته، لكنه كان واضحاً بما يكفي لعدم تجاهله. غير أن السياسة التي لم ترَ أبعد من مصالحها الآنية، تركت المشكلة تكبر حتى أصبحت أكبر من قدرة الجميع على احتوائها. وهكذا تحوّل ما كان يمكن إيقافه في جبال صعدة إلى مأساة تمددت حتى ابتلعت الدولة وأثقلت كاهل اليمنيين.