في ظل ما تشهده جبهات التماس في مناطق الصبيحة من ضغوط عسكرية متواصلة من قبل مليشيات الحوثي، ومحاولاتها المستميتة لاختراق خطوط المواجهة هناك، تبرز الحاجة إلى قراءة المشهد بمسؤولية وطنية، تتجاوز الحسابات الآنية والمظاهر الاحتفالية، وتضع أمن الجنوب وسلامة أراضيه في مقدمة الأولويات. فالصبيحة ليست مجرد منطقة جغرافية تقع على تخوم المواجهة، بل تمثل إحدى أهم بوابات الجنوب الغربية وخط الدفاع المتقدم عن العاصمة عدن ومحافظات الجنوب.
إن استمرار الضغط الحوثي على جبهات الصبيحة يفرض على مختلف القوى الجنوبية استشعار طبيعة المرحلة، والتعامل معها باعتبارها مسؤولية مشتركة، لا تخص أبناء الصبيحة وحدهم. فالدفاع عن هذه المنطقة ليس واجباً محلياً فحسب، بل قضية ترتبط بأمن الجنوب عموماً، وبقدرة أبنائه على حماية مناطقهم ومنع انتقال المواجهات إلى نطاقات أوسع.
الصبيحة.. خط الدفاع الذي لا يحتمل الإهمال
تكتسب جبهات الصبيحة أهميتها من موقعها الاستراتيجي، ومن ارتباطها بالممرات والطرق المؤدية إلى مناطق جنوبية حيوية. وأي تراجع في قدرتها على الصمود قد يفتح المجال أمام تطورات عسكرية تهدد مناطق جنوبية أخرى، وتضع العاصمة عدن أمام تحديات أمنية وعسكرية جديدة.
ومن هنا، فإن التعامل مع الضغوط التي تواجهها جبهات الصبيحة لا ينبغي أن يظل محصوراً في جهود المقاتلين الموجودين على خطوط المواجهة، مهما كانت تضحياتهم. بل يتطلب الأمر تنسيقاً جاداً بين القيادات العسكرية والسياسية الجنوبية، وتوفير الإسناد اللازم، وتعزيز الجاهزية الدفاعية، وضمان الإمدادات والاحتياجات الأساسية للمقاتلين، وفق تقدير عسكري مسؤول لطبيعة التهديدات القائمة.
كما أن ترك أبناء الصبيحة وحدهم في مواجهة ضغط عسكري مستمر من قبل مليشيات الحوثي لن يكون مجرد إخفاق في توزيع المسؤوليات، بل سيعكس خللاً في فهم طبيعة المعركة ومخاطرها على الجنوب بأكمله.
14 أكتوبر.. الاحتفال الحقيقي هو حماية الأرض
تأتي هذه التطورات بالتزامن مع الاستعدادات للاحتفال بالذكرى الثالثة والستين لثورة الرابع عشر من أكتوبر، وهي مناسبة وطنية تحمل في وجدان الجنوبيين معاني التحرر والتضحية والدفاع عن الأرض والكرامة.
لكن استحضار هذه الذكرى لا ينبغي أن يقتصر على التجمعات الجماهيرية والخطابات والأناشيد، مهما كانت أهميتها الرمزية. فالمناسبات الوطنية تستمد معناها الحقيقي من قدرتنا على ترجمة قيمها إلى مواقف ومسؤوليات، خصوصاً عندما تواجه الأرض التي نحتفي بتاريخها تحديات أمنية وعسكرية.
ومن هذا المنطلق، فإن إعطاء جبهات الصبيحة الأولوية في هذه المرحلة، وتعزيزها بما تحتاج إليه من إسناد بشري ولوجستي، يمثلان تعبيراً عملياً عن معاني ثورة أكتوبر، لا انتقاصاً من الاحتفال بها.
الخطر لا يتوقف عند حدود الصبيحة
إن أخطر ما في أي اختراق محتمل لجبهات الصبيحة ليس حدود التقدم العسكري وحدها، بل ما قد يترتب عليه من اتساع دائرة المواجهة وتهديد مناطق جديدة. وإذا تمكنت مليشيات الحوثي من تحقيق اختراق مؤثر في هذه الجبهات، فقد تجد عدن ومناطق جنوبية أخرى نفسها أمام واقع أمني أكثر تعقيداً، تتضاعف معه كلفة المواجهة ومتطلبات الدفاع.
وهنا تبرز ضرورة عدم التعامل مع التطورات الميدانية بمنطق الانتظار حتى تتضح النتائج، بل من خلال الاستعداد المبكر، ورفع مستوى التنسيق، وتوحيد الجهود، وتجنب الانشغال بالخلافات الجانبية على حساب الأولويات الأمنية المشتركة.
وفي الوقت نفسه، فإن استشعار الخطر لا يعني الاستسلام للتهويل أو بناء المواقف على معلومات غير مؤكدة، بل يقتضي متابعة دقيقة للتطورات، وتقييماً مهنياً للموقف العسكري، وتحركاً مسؤولاً يستند إلى الوقائع والاحتياجات الفعلية للجبهات.
إن الصبيحة اليوم ليست قضية أبناء الصبيحة وحدهم، بل مسؤولية الجنوب كله. وإذا كانت ذكرى الرابع عشر من أكتوبر تستحضر تضحيات الأجيال التي دافعت عن أرضها، فإن الوفاء لهذه التضحيات يبدأ من حماية الأرض في الحاضر.
فبين ساحة الاحتفال وخطوط المواجهة، لا ينبغي أن يكون الاختيار بين الوطنية ومظاهرها، بل بين الاكتفاء برمزية المناسبة وترجمة معانيها إلى مسؤولية عملية. وفي ظل الضغوط التي تواجهها جبهات الصبيحة، تبقى حماية خطوط الدفاع وتعزيز صمود المقاتلين أولوية تستحق أن تتقدم على ما عداها.
فالأرض التي نحتفل بتاريخها تستحق أن نحمي حاضرها، والصبيحة التي تقف على بوابة الجنوب الغربية ليست وحدها في معركتها.. أمنها من أمن عدن، وسلامة جبهاتها مسؤولية كل من يعنيه مستقبل الجنوب.