لا تكتمل اهداف الثورات بمجرد احداث تحولات سياسية، بل بقدرتها على فتح الطريق امام دولة تصون كرامة الانسان، وتكفل حقوقه، وتوفر مقومات الحياة الكريمة. فالتعليم والصحة والعمل والخدمات الاساسية هي المجالات التي يلمس المواطن من خلالها اثر التغيير. ومن هنا، تقاس استدامة اهداف ثورتي سبتمبر واكتوبر بمدى تحول مبادئهما الوطنية الى واقع يتيح لجميع ابناء الوطن فرص التقدم والعيش الكريم.
وتقتضي استدامة اهداف الثورتين مراجعة مسار بناء الدولة اليمنية والاختلالات التي اثرت في استقرارها وتنميتها. فالتحدي لا يكمن في قيمة الاهداف التي حملتها الثورتان، بل في قدرة الانظمة والمؤسسات المتعاقبة على تجسيدها، وربط التحرر السياسي بمؤسسات فاعلة واقتصاد منتج. ويفقد التغيير جانباً من اثره حين لا ينعكس على حياة المواطنين، وتظل تطلعاتهم الى مستقبل افضل بعيدة عن التحقق.
وتضعف الدولة حين يغيب التوافق على قواعد العمل السياسي، ويتحول التنافس الى صراع على السلطة والنفوذ، وتتقدم المصالح الحزبية والشخصية والولاءات المناطقية على المصلحة الوطنية. وتمتد نتائج ذلك الى تعطيل التنمية واستنزاف الموارد واضعاف المؤسسات. فالاستقرار السياسي والأمن والامان يهيئون بيئة للاستثمار والعمل والانتاج، فيما يعزز الانصاف ثقة المواطنين بالدولة وانتماءهم إليها.
وتبرز الحاجة الى ميثاق شرف وطني يضع وحدة الدولة وسيادتها والثوابت الوطنية فوق الحسابات الضيقة، وينظم الاختلاف دون تخوين، والتنافس دون اقصاء، وتداول السلطة بالوسائل الدستورية والسلمية. فحين تتنافس القوى السياسية على تحسين التعليم والصحة والبنية التحتية وتوسيع فرص العمل، يصبح الاختلاف دافعاً للتقدم. اما التنافس على الاستئثار بالحكم وتقاسم النفوذ، فيحول مؤسسات الدولة ومواردها الى ادوات للصراع، ويجعل مصالح المواطنين رهينة لتوازنات القوى.
ولا تنفصل التنمية عن العدالة؛ فالعبرة ليست بزيادة الموارد او تنفيذ المشروعات وحدهما، بل بمدى استفادة المواطنين من ثمارها. وتقتضي العدالة المساواة في الحقوق والواجبات، وتكافؤ الفرص في التعليم والعمل، والانصاف في توزيع الخدمات والاستثمارات بين المحافظات والمناطق. وحين تحرم فئات او مناطق من نصيبها المستحق في التنمية، تتسع فجوات الثقة وتتعمق الاختلالات، بينما يسهم العدالة في تعزيز المواطنة والاستقرار.
وتكشف التجربة اليمنية اثر اختلالات التنافس السياسي؛ فالصراعات التي اعقبت ثورتي سبتمبر واكتوبر، والاختلالات التي رافقت ادارة الدولة بعد الوحدة وتفاقمت عقب حرب 1994، اضعفت الثقة بالمؤسسات ووسعت الانقسامات ورسخت الولاءات المناطقية والقبلية على حساب المواطنة والعمل المؤسسي. ومع عجز القوى السياسية عن ادارة خلافاتها ضمن قواعد وطنية جامعة، تقدمت الحسابات الفئوية على مقتضيات الدولة، وهي بيئة استفاد منها المشروع الامامي الكهنوتي بثوبه الحوثي لتوسيع نفوذه وتقويض النظام الجمهوري. ولا يعزى صعود الحوثيين الى السلاح والدعم الخارجي وحدهما؛ فقد اسهمت هشاشة المؤسسات والانقسامات بين القوى الجمهورية وتراجع الثقة العامة في اضعاف قدرة الدولة على مواجهة تمددهم. وتؤكد هذه التجربة أن الخلافات السياسية لا تبقى محصورة في موازين السلطة، بل تمتد آثارها الى المجتمع وقدرة الدولة على حماية الحقوق وتحقيق التنمية.
إن استدامة اهداف ثورتي سبتمبر واكتوبر تتطلب تجاوز الاختلالات التي اعاقت بناء الدولة، وارساء شراكة سياسية مسؤولة، وتطوير مؤسسات قادرة على ترسيخ الاستقرار وتحفيز الانتاج. ولا يكتمل المشروع الوطني بمجرد ترسيخ النظام الجمهوري او استعادة مؤسسات الدولة، بل بتحويل ذلك الى سياسات تنموية تتيح فرص العمل وتدعم الاقتصاد وتضمن وصول الخدمات الى مستحقيها.
فالتاريخ يمنح الشعوب دروسه، لكن مسؤولية تحويلها الى مستقبل افضل تقع على عاتق الاجيال ومؤسساتها. ولا تستدام اهداف الثورات بمجرد الاحتفاء بانتصاراتها، بل بحماية مكتسباتها وتجديدها، وترسيخ المواطنة المتساوية وربط الاستقرار بالتنمية؛ حتى تصبح الحرية والكرامة والحقوق المتكافئة والتنمية الشاملة واقعاً راسخاً لجميع ابناء الوطن.
المجد والخلود لثورتي سبتمبر واكتوبر والاعتزاز والتقدير والوفاء لشهداء وجرحى ومناضلي الثورتين والنصر حليفنا الجمهورية اليمنية الاتحادية