آخر تحديث :الثلاثاء-13 أكتوبر 2026-01:49ص

من جنيف إلى العالم: هل تختار الشعوب السلام بينما تختار النخب السياسية المواجهة؟

الإثنين - 12 أكتوبر 2026 - الساعة 02:44 م
ليزا البدوي


في مدينة جنيف، التي ارتبط اسمها لعقود بالدبلوماسية الدولية والحوار الإنساني والقانون الدولي، أشارك هذه الأيام في منتدى جنيف للسلام 2026، الذي يُعقد خلال الفترة من 12 إلى 15 أكتوبر، تحت شعار «اختيار السلام».


تكتسب هذه المشاركة بالنسبة لي أهمية خاصة، ليس فقط باعتبارها فرصة للاستماع إلى خبراء السياسة والأمن والعلاقات الدولية، وإنما أيضًا لأنها تتيح النظر إلى التحولات التي يشهدها العالم من زاوية حقوقية ونسوية، تنطلق م

ن سؤال جوهري: من يدفع الثمن الحقيقي عندما تفشل السياسة في منع الحروب، ومن يمتلك حق تقرير مستقبل السلام والأمن؟


يأتي المنتدى في مرحلة دولية بالغة التعقيد، تتصاعد فيها النزاعات المسلحة، وتتراجع فيها الثقة بين القوى الدولية، وتتزايد المخاوف من اتساع المواجهات العسكرية، بينما تبدو المؤسسات والآليات الدبلوماسية التقليدية أمام اختبارات صعبة تتعلق بقدرتها على احتواء الأزمات ومنع تحولها إلى صراعات مفتوحة.


ولعل أهمية انعقاد هذا المنتدى في جنيف تكمن في أن المدينة لا تمثل مجرد مكان لاستضافة الاجتماعات الدولية، بل فضاءً تاريخيًا للحوار والتفاوض والعمل الإنساني، وملتقىً للدبلوماسيين والخبراء والمنظمات الدولية والمجتمع المدني، في وقت يحتاج فيه العالم إلى استعادة قيمة الحوار باعتباره وسيلة أساسية لحماية السلم والأمن الدوليين.


الأمن الأوروبي بين إرث المواجهة وإمكانية بناء السلام


من بين الجلسات التي حضرته

ا في اليوم الأول، استوقفتني جلسة بعنوان «اختيار السلام في أوروبا: بناء منظومة السلام والأمن المستقبلية»، التي نظمها مركز جنيف للسياسات الأمنية، وشارك فيها عدد من الشخصيات الدبلوماسية والبحثية المتخصصة في الأمن الأوروبي والعلاقات الدولية.


ضمت الجلسة السفير توماس غرومينغر، المدير التنفيذي لمركز جنيف للسياسات الأمنية، والسفير سيرغي رومين، الممثل الخاص لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا المعني بتعزيز الحوار وبناء الثقة، والدكتور أليكسي غروميكو، مدير معهد أوروبا التابع للأكاديمية الروسية للعلوم، والدكتورة ألكسندرا دينيس، الباحثة الأولى في مؤسسة فريدريش إيبرت، فيما أدار النقاش والتر كيمب، كبير مستشاري الاستراتيجية بمركز جنيف للسياسات الأمنية.


تناولت الجلسة مستقبل الأمن الأوروبي في ظل الحرب الروسية ضد أوكرانيا، وتراجع الثقة بين روسيا والدول الغربية، والتحولات التي يشهدها حلف شمال الأطلسي، والتحديات التي تواجه منظومة الأمن والتعاون الأوروبي، فضلًا عن احتمالات إعادة بناء قنوات الحوار والتفاوض بعد سنوات من التصعيد.


لم تكن المناقشات مجرد استعراض لموازين القوى العسكرية أو الترتيبات الأمنية، بل فتحت أسئلة أكثر عمقًا حول مستقبل العلاقات الدولية: هل يمكن بناء سلام مستدام دون التواصل مع الخصوم؟ وهل يؤدي استمرار سباق التسلح إلى تحقيق الأمن، أم يضاعف احتمالات المواجهة؟ وما الدور الذي يمكن أن تؤديه الدبلوماسية عندما تصبح العلاقات السياسية محكومة بمنطق الردع والتهديد المتبادل؟


عندما

يتحدث خبير روسي عن إدارة الخلاف بدلًا من توسيع المواجهة


لفت انتباهي في مداخلة الدكتور أليكسي غروميكو تركيزه على الحاجة إلى إعادة التفكير في العلاقات الأمنية بين روسيا وأوروبا والولايات المتحدة، وضرورة إيجاد آليات لإدارة التنافس والخلافات، حتى في ظل استمرار التوترات السياسية والعسكرية.


تحدث غروميكو عن مخاطر تراجع اتفاقيات الحد من التسلح، وتآكل أدوات بناء الثقة، واحتمالات الانزلاق نحو أزمات أكثر خطورة، خصوصًا في ظل وجود ترسانات نووية وقدرات عسكرية متقدمة لدى الأطراف المتنافسة.


ومن بين الأفكار التي أثارت اهتمامي حديثه عن إمكانية الانتقال من منطق المواجهة المفتوحة إلى ما يمكن وصفه بإدارة التنافس أو التعايش المنظم، بما يسمح للأطراف المختلفة بالاحتفاظ بمواقفها ومصالحها، دون أن يعني ذلك إغلاق قنوات التواصل أو التخلي عن الأدوات الدبلوماسية.


أتفق مع جانب مهم من هذا الطرح، وتحديدًا أن الخلافات العميقة بين الدول لا ينبغي أن تؤدي بالضرورة إلى القطيعة السياسية الكاملة، وأن إدارة النزاعات تتطلب آليات مستمرة للتواصل وتخفيف المخاطر ومنع سوء التقدير.


غير أن الاتفاق مع أهمية الحوار لا يعني تبني الموقف السياسي الروسي من الحرب، أو تجاوز مسؤوليات أطراف النزاع بموجب القانون الدولي. فالدبلوماسية الحقيقية يجب أن تقوم على احترام سيادة الدول، وحماية المدنيين، وعدم استخدام القوة لفرض الوقائع السياسية.


ومن وجهة نظري، فإن الحوار ليس بديلًا عن العدالة أو المساءلة، بل ينبغي أن يكون جزءًا من مسار سياسي يضمن الحقوق ويمنع تكرار الانتهاكات.


ألكسندرا دينيس: الشعوب أكثر استعدادًا للحوار مما قد نتصور


كانت مداخلة الدكتورة ألكسندرا دينيس من أكثر المداخلات التي استوقفتني، خصوصًا عندما عرضت نتائج است

طلاع للرأي العام ضمن مشروع «الرادار الأمني»، تناول تصورات المواطنين بشأن التهديدات الأمنية ومستقبل العلاقات بين روسيا والغرب.


أشارت دينيس إلى أن المخاوف من احتمال اندلاع حرب بين روسيا والغرب حاضرة بقوة لدى المشاركين في الاستطلاع. لكنها عرضت في المقابل نتيجة تستحق التأمل، تتعلق باستعداد المواطنين لدعم إعادة فتح قنوات التواصل مع روسيا بعد انتهاء الحرب في أوكرانيا.


ووفق النتائج التي قدمتها خلال الجلسة، فإن أكثر من 60% من المشاركين في عدد من دول حلف الناتو، من بينها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا والسويد وتركيا، يؤيدون استئناف قنوات الاتصال مع روسيا بعد الحرب.


والأكثر لفتًا للانتباه أن نسبة التأييد تجاوزت 50% حتى في دول مثل بولندا ولاتفيا، رغم حساسية علاقاتها التاريخية والأمنية مع روسيا.


هذه الأرقام، كما عرضتها الباحثة، لا تعني بالضرورة اتفاق المواطنين على شروط السلام أو تصورهم للنظام الأمني المقبل، لكنها تكشف عن استعداد شعبي للنظر إلى الحوار باعتباره ضرورة مستقبلية، حتى في المجتمعات التي تشعر بتهديد مباشر.


وقد اتفقت مع ألكسندرا في أهمية هذه النتيجة، لأنها تطرح سؤالًا سياسيًا وإنسانيًا في آن واحد: إذا كانت قطاعات واسعة من الشعوب تدرك ضرورة استعادة الحوار، فلماذا يبدو أن بعض النخب السياسية أكثر ميلًا إلى توسيع المواجهة أو الإبقاء على مناخ الاستقطاب؟


بين إرادة الشعوب وخيارات النخب السياسية


من موقعي كمدافعة عن حقوق الإنسان، ومن خلال اهتمامي بقضايا القيادة وبناء السلام، أرى أن واحدة من الإشكاليات التي تواجه عالمنا اليوم تتمثل في الفجوة بين احتياجات المجتمعات الإنسانية وخيارات بعض النخب السياسية.


فالمواطنون يبحثون في المقام الأول عن الأمن والاستقرار، وحماية أسرهم، وضمان مستقبل أبنائهم، وتوفير الموارد للخدمات الأساسية والتنمية، بينما قد تتجه حسابات بعض القيادات السياسية نحو تعزيز النفوذ أو إدارة التنافس من خلال التصعيد العسكري.


ولا يعني ذلك أن جميع الحكومات تتجاهل تطلعات شعوبها، أو أن الرأي العام يتبنى موقفًا موحدًا من الحروب، لكنه يفرض ضرورة مساءلة السياسات الأمنية والعسكرية من منظور آثارها الإنسانية، ومدى استجابتها لأولو

يات المجتمعات.


ومن منظور نسوي، يصبح هذا السؤال أكثر إلحاحًا.


فالنساء، رغم تأثرهن العميق بالنزاعات المسلحة وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، ما زلن في كثير من السياقات أقل حضورًا في دوائر صنع القرارات الأمنية والعسكرية، وفي المفاوضات التي تحدد مستقبل مجتمعاتهن.


ولهذا، فإن الحديث عن منظومة جديدة للأمن والسلام لا ينبغي أن يظل محصورًا في ترتيبات الردع العسكري وموازين القوى بين الدول، وإنما يجب أن يتسع ليشمل مفهوم الأمن الإنساني، والمشاركة المجتمعية، والعدالة، وحماية الحقوق، وإشراك النساء بصورة فعلية في صناعة السلام.


إن السلام المستدام لا يتحقق فقط بتوقيع الاتفاقيات بين الحكومات، بل يحتاج أيضًا إلى بناء الثقة داخل المجتمعات وبينها، وإلى مؤسسات تستجيب لمخاوف المواطنين واحتياجاتهم.


هل ما زالت الدبلوماسية قادرة على استعادة دورها؟


أعادت النقاشات التي شهدتها الجلسة تسليط الضوء على دور منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وعلى التحديات التي تواجه المؤسسات متعددة الأطراف في ظل الاستقطاب الدولي.


وكان من الواضح أن استعادة فعالية هذه المؤسسات لا ترتبط فقط بوجود الأدوات الفنية أو الخبرات الدبلوماسية، بل تتطلب قبل كل شيء إرادة سياسية حقيقية لدى الدول المعنية.


وهنا أرى أن المشكلة لا تكمن دائمًا في غياب الحلول أو المقترحات، بل في محدودية الاستعداد السياسي لتبنيها.


فالتاريخ الدبلوماسي مليء بالمبادرات التي نجحت في فتح مسارات للتفاوض بين أطراف متنازعة، حتى في أشد مراحل التوتر. لكن هذه المسارات تحتاج إلى قيادات تمتلك الشجاعة السياسية للنظر إلى السلام باعتباره مصلحة استراتيجية، وليس تنازلًا أمام الخصوم.


كما أن إعادة فتح قنوات الاتصال لا تعني تجاهل الانتهاكات أو التساهل مع العدوان، وإنما تعني الإقرار بأن حماية القانون الدولي ومنع التصعيد العسكري هدفان يمكن العمل عليهما بصورة متوازية.


جنيف ومسؤولية إعادة الاعتبار للسلام


خرجت من هذه الجلسة بانطباع أن النقاش بشأن مستقبل الأمن الأوروبي يتجاوز حدود القارة الأوروبية، لأنه يتعلق في جوهره بمستقبل النظام الدولي، وبالطريقة التي ستختار بها الدول إدارة خلافاتها خلال السنوات المقبلة.


وأعتقد أن أهمية منتدى جنيف للسلام تكمن في توفير مساحة يمكن أن تلتقي فيها وجهات نظر متعارضة، وأن تُناقش فيها احتمالات الحوار دون اشتراط الاتفاق المسبق على جميع القضايا.


وهذه المساحات أصبحت اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى.


إن اختيار السلام لا ينبغي أن يظل شعارًا أخلاقيًا جميلًا، بل يجب

أن يتحول إلى ممارسة سياسية تقوم على الحوار، ومنع التصعيد، واحترام القانون الدولي، وإشراك المجتمعات في القرارات التي تمس أمنها ومستقبلها.


وبالنسبة لي، فإن الاستماع إلى مواقف مختلفة، بما فيها تلك التي قد نختلف معها سياسيًا، يمثل جزءًا أساسيًا من فهم النزاعات والبحث عن مخارج لها.


فالانفتاح على الحوار لا يعني الحياد تجاه الانتهاكات، كما أن الدفاع عن حقوق الإنسان لا يتعارض مع البحث عن حلول سياسية تمنع استمرار الحروب.


وأغادر هذه الجلسة أكثر اقتناعًا بأن أحد التحديات الكبرى أمام العالم ليس فقط كيفية إنهاء الحروب القائمة، بل كيفية بناء إرادة سياسية تجعل الحوار خيارًا سابقًا على المواجهة، لا مجرد وسيلة نلجأ إليها بعد أن تدفع الشعوب أثمانًا باهظة.


وفي مقال قادم، سأتناول كيف تنعكس التحولات والصراعات الدولية على اليمن، وما يرتبط بها من تحديات للأمن الإقليمي والمياه الإقليمية والبحر الأحمر، من منظور حقوقي ونسوي يضع حماية الإنسان والسلم والأمن في مقدمة الأولويات.