عبر التاريخ، لم يكن الدفاع عن الأرض والبيوت والهوية جريمة، بل كان حقًا تمسكت به شعوب كثيرة عندما شعرت أن أرضها مهددة وأن مستقبل أبنائها أصبح في خطر.
فمن الجزائر إلى فيتنام، ومن جنوب أفريقيا إلى تيمور الشرقية، خاضت شعوب نضالات طويلة من أجل تقرير مصيرها، ودفعت أثمانًا باهظة حتى تتمكن من اختيار مستقبلها.
ففي الجزائر، قاوم الجزائريون الاستعمار الفرنسي لسنوات طويلة حتى نالت بلادهم الاستقلال عام 1962م.
وفي فيتنام، خاض الفيتناميون حروبًا طويلة دفاعًا عن استقلال بلادهم ووحدتها.
أما في جنوب أفريقيا، فقد ناضل السود وغيرهم من معارضي نظام الفصل العنصري لعقود من أجل الحرية والمساواة، حتى انتهى ذلك النظام.
وفي تيمور الشرقية، تمسك السكان بحقهم في تقرير المصير حتى تحقق الاستقلال عام 2002م.
هذه التجارب، رغم اختلاف ظروفها وتفاصيلها، تحمل درسًا واضحًا: الشعوب التي ترى أن أرضها ومستقبلها مهددان تتمسك بحقوقها، ولا يمكن تحقيق سلام مستدام بتجاهل مخاوفها أو فرض الحلول عليها بالقوة.
الصبيحة وعدن.. أسئلة يطرحها الواقع:
اليوم، ومع ما يثار حول المواجهات العسكرية في جبهات الصبيحة، تتصاعد مخاوف السكان من اتساع رقعة القتال واقترابه من المناطق المأهولة.
ويجد أبناء الصبيحة أنفسهم أمام أسئلة تتعلق بأمن قراهم وبيوتهم، فيما ينظر كثير من سكان العاصمة عدن إلى أمن الصبيحة باعتباره مرتبطًا باستقرار مناطقهم وسلامة أهلهم.
وهنا يبرز السؤال: إذا كان الخطاب الإعلامي الصادر عن بعض المحسوبين على جماعة الحوثي يؤكد عدم استهداف الجنوب أو احتلاله، فكيف يمكن تفسير المواجهات التي تصل إلى جبهات الصبيحة، وما الأهداف الفعلية لهذه العمليات؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة ينبغي أن تستند إلى الوقائع الميدانية والتصريحات الموثقة، لا إلى التخمينات وحدها.
لكن من حق السكان أن يطالبوا بتوضيحات صريحة، وأن يتعاملوا بجدية مع أي مخاطر تهدد سلامتهم وأمن مناطقهم.
لماذا يلام الجنوبيون عندما يدافعون عن أرضهم؟
من حق سكان العاصمة عدن وأبناء الجنوب أن يشعروا بالقلق على بيوتهم وأسرهم وأرضهم، ومن حقهم المطالبة بحماية مناطقهم من أي هجوم عسكري.
فكما يرفض أي شعب أن تفرض عليه السيطرة بالقوة، فإن أبناء الجنوب أيضًا لهم الحق في الأمان، وفي التعبير عن إرادتهم السياسية، وفي المطالبة بحلول تحترم حقوقهم وتطلعاتهم.
ولا ينبغي أن يتحول الدفاع عن القرى والمناطق السكنية إلى ذريعة لتخوين السكان أو اتهامهم لمجرد تمسكهم بأرضهم.
وفي الوقت نفسه، يجب ألا تتحول المخاوف المشروعة إلى كراهية جماعية ضد أبناء الشمال؛ فالمسؤولية عن أي عمليات عسكرية تقع على الجهات التي تقررها وتنفذها، وليست على المواطنين بسبب مناطقهم أو أصولهم.
العاصمة عدن ليست بعيدة عن المشهد:
إن أمن العاصمة عدن لا ينفصل عن استقرار المناطق المحيطة بها.
وأي تصعيد عسكري قرب الصبيحة يستدعي الاهتمام بحماية المدنيين، وفتح قنوات التهدئة، ومنع اتساع المواجهات. فالمواطن في العاصمة عدن يريد أن يعيش بأمان، والأم في الصبيحة تريد أن تنام مطمئنة على أطفالها، والأسرة في القرية لا تريد أن تجد نفسها بين نيران المتحاربين.
ولذلك، فإن حماية العاصمة عدن لا تبدأ بالشعارات وحدها، بل بالعمل المسؤول، والجاهزية لحماية المدنيين، وتوثيق الانتهاكات، والضغط من أجل وقف التصعيد، وتغليب الحلول التي تمنع سقوط مزيد من الضحايا.
كلمة أخيرة:
إن التاريخ يذكر الشعوب التي تمسكت بحقوقها، لكنه يذكر أيضًا الثمن الإنساني الباهظ الذي تدفعه المجتمعات عندما تتحول الخلافات السياسية إلى حروب مفتوحة.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يطرحه أبناء الصبيحة وسكان العاصمة عدن يستحق إجابة واضحة: ما أهداف التصعيد العسكري، وما الضمانات التي تمنع امتداده إلى مناطقهم؟
إن الدفاع عن الأرض والبيت حق، وحماية المدنيين واجب، والسلام العادل لا يبنى بفرض السيطرة بالقوة، بل باحترام حقوق الناس وإرادتهم.