آخر تحديث :الأحد-01 نوفمبر 2026-10:12م

مدن الشمال فوق منصات الصواريخ ومخازن الموت

الأحد - 11 أكتوبر 2026 - الساعة 06:40 م
محمد المسبحي


تتضح الصورة جلياً حين يضيق الخناق الميداني وتتراجع الخيارات السياسية، إذ لا تجد المليشيا الحوثية أمام انكساراتها على تخوم تعز وجبهات الساحل ومارب سوى الهروب إلى الأمام بأسلوب العبث ونشر الرعب. فمن يتابع المشهد بوعي صحفي يدرك أن الانهيار الوشيك في ميادين المواجهة يتبعه فوراً سلوك هستيري يطال المساجد والأعيان المدنية في الداخل، ويمتد بنيرانه الغادرة ليمنح الرعاة الإقليميين رسائل مجانية عبر استهداف الأشقاء والجوار في الرياض، في اعتداءات لا تخلف سوى ضحايا من الأبرياء والمدنيين من مختلف الجنسيات والبلدان.

ولعل الأشد قسوة في هذا المخطط هو المعاناة المتواصلة التي يكتوي بها المواطن نفسه داخل المدن الخاضعة لسيطرة المليشيات الحوثية الإرهابية إن سقوط الصواريخ الإيرانية وانفجارها في حي الزمر بالعاصمة صنعاء، أو انطلاقها الفاشل من المرتفعات المجاورة كجبل عيبان وحي شعوب لتهوي فوق الأسواق والمدارس والمنازل هو نتيجة حتمية لتحويل أوساط الأحياء السكنية إلى منصات إطلاق ومخازن نارية للموت. فتخزين الأسلحة والذخائر بين بني حشيش وقرى عمران وأزقة العاصمة صنعاء هو جريمة مركبة تُعرّض بيوت الناس وحياتهم لخطر دائم، وتستغل المدنيين كدروع بشرية بلا أدنى اعتبار لحرمة الدم أو الجوار.

وليس هذا الفشل التشغيلي أو التعمد في استهداف المدنيين سوى جزء من نهج متكامل يرى في اليمن مجرد معمل تجارب مفتوح وحقل اختبار للأسلحة الايرانية. والأدهى من المأساة نفسها هو سلوك التزييف والمتاجر؛ إذ تسارع الآلة الإعلامية التابعة للحوثيين عقب كل انفجار أو كارثة تصنعها صواريخهم إلى قلب الحقائق وتلفيق الاتهامات، متاجرة بآلام الضحايا وثكالى الأحياء السكنية لنسج روايات مضللة تبرر استمرار حربهم.

وتكتمل هذه الصورة المأساوية بالاستغلال البشع لأبناء شمال اليمن، حيث لا تكتفي هذه الجماعة الارهابية بالزج بالأطفال في جبهات القتال وحروب المحرقة، بل تجعل أسرهم وأهاليهم في مواجهة مباشرة مع خطر السلاح المخبأ تحت أسقف منازلهم. إن الحكاية برمتها لا تختصرها أرقام الضحايا على اختلاف جنسياتهم، ولا حتى فجيعة الصواريخ التي تتفجر فوق رؤوس الآمنين في صنعاء وعمران ومأرب، بل يختصرها ذلك السقوط الأخلاقي المدوي لجماعة اتخذت من خراب ديارها وسيلة للبقاء، ومن دماء أبنائها رصيداً لتجار الحروب. وحين ترتفع ألسنة اللهب من بيوت الأبرياء ومخازن الموت المخفية بين أحياء المدن، فإنها تُضيء بوضوح صارخ حقيقة مشروع لا يُتقن سوى صناعة الخراب، ولن تنتهي هذه المأساة التاريخية إلا حين يدرك الجميع أن اقتلاع هذا الوباء من جذوره هو الشرط الوحيد ليسترد الإنسان اليمني أرضه، وكرامته، وحقه الخالص في الحياة.