في معارك استعادة الأوطان، تفقد الشعارات قيمتها إذا لم تسندها مواقف عملية، ولا مكان للمناورة السياسية حين يتعلق الأمر بمعركة مصيرية لإنهاء سيطرة مليشيات الحوثي المدعومة من إيران.
ومع إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، معركة «فجر اليمن»، يبرز سؤال مباشر لا يمكن القفز عليه: أين حزب التجمع اليمني للإصلاح من معركة يفترض أن تكون فيها استعادة الدولة أولوية تتقدم على الحسابات الحزبية؟
يُعد الإصلاح أحد أبرز المكونات السياسية في معسكر الشرعية اليمنية، ويتمتع بحضور ونفوذ في عدد من المحافظات. ومن ثم فإن من حق الرأي العام اليمني أن يطالبه بموقف واضح ومحدد من المعركة، بعيداً عن البيانات الفضفاضة والتصريحات العامة التي لا تجيب عن السؤال الأهم: ماذا قدم الحزب عملياً لدعم جهود التحرير؟
الشعارات لا تحرر أرضاً
لم يعد مقبولاً أن تظل استعادة الدولة عنواناً متكرراً في الخطاب السياسي، بينما تبقى مسؤولية المواجهة موضع تساؤل. فالمعارك لا تُحسم بالمواقف الكلامية وحدها، وإنما بالاستعداد والتنسيق وتحريك الجبهات وتقديم الدعم اللازم للقوات التي تخوض المواجهة.
وإذا كان الإصلاح يؤكد انتماءه إلى معسكر الشرعية ويدعم هدف إنهاء الانقلاب الحوثي، فإن من حق اليمنيين أن يعرفوا كيف ترجم هذا الموقف إلى خطوات عملية في إطار معركة «فجر اليمن».
أما إذا كان الحزب غائباً عن مستوى المشاركة المطلوبة، فإن الصمت لن يكون إجابة كافية، وستظل الأسئلة قائمة بشأن أسباب هذا الغياب وحساباته وتداعياته على جهود استعادة الدولة.
مأرب وتعز.. أين الدور المنتظر؟
في ظل استمرار سيطرة الحوثيين على مناطق واسعة من البلاد، تبرز أهمية الجبهات الاستراتيجية، وفي مقدمتها مأرب وتعز، اللتان يتمتع حزب الإصلاح بحضور سياسي وتنظيمي مؤثر فيهما.
وهنا تحديداً يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: ما الدور الذي يؤديه الحزب في دعم التحركات العسكرية في المحافظتين؟ وهل تتناسب مساهمته في المواجهة مع حجم حضوره السياسي ونفوذه فيهما، باعتبارهما من أبرز جبهات التماس مع مليشيات الحوثي؟
هذه الأسئلة ليست للمزايدة أو تصفية الحسابات، بل تمثل مطالب مشروعة للمساءلة السياسية. فمن يعلن التزامه بمشروع استعادة الدولة، عليه أن يوضح نصيبه من المسؤولية، وأن يقدم للرأي العام إجابات محددة بشأن مواقفه وخطواته العملية.
لا أعذار للحسابات الضيقة
لقد دفعت اليمن أثماناً باهظة نتيجة الانقسامات والصراعات بين القوى المحسوبة على الحكومة الشرعية المناهضة للحوثيين. وأي تردد أو تعطيل للجهود المشتركة، متى ثبت، لا يمكن التعامل معه بوصفه شأناً حزبياً داخلياً، لأن تداعياته تتجاوز حدود التنظيمات السياسية لتطال معركة وطنية ومستقبل دولة بأكملها.
ولا تعني وحدة الصف منح أي حزب حصانة من النقد، كما لا يجوز اتخاذ التوافق السياسي ذريعة لتجنب المساءلة. فالمطلوب في هذه المرحلة موقف معلن، وأدوار واضحة، والتزامات عملية يمكن تقييمها على أرض الواقع.
إن مواجهة الحوثيين مسؤولية تتطلب من جميع القوى المنضوية في معسكر الشرعية اليمنية تجاوز الحسابات الضيقة، وتقديم متطلبات المعركة على الاعتبارات الحزبية. وأي خطاب سياسي لا ينعكس على الميدان يظل قاصراً عن الوفاء بمقتضيات اللحظة الوطنية.
«فجر اليمن».. امتحان للمواقف لا للشعارات
اليمنيون الذين أنهكتهم الحرب لا ينتظرون مزيداً من الخطب والبيانات، بل يريدون معرفة من يتحمل المسؤولية فعلياً، ومن يترجم تعهداته إلى خطوات ملموسة على طريق استعادة الدولة.
وعليه، فإن حزب الإصلاح مطالب بتوضيح موقفه من معركة «فجر اليمن»، والإجابة عن الأسئلة المتعلقة بمشاركته وإسهامه في جهود التحرير، بما يضع الرأي العام أمام صورة واضحة بعيداً عن التأويلات والتبريرات السياسية.
فمكانة الأحزاب لا تُقاس بما تمتلكه من نفوذ سياسي أو بما ترفعه من شعارات، وإنما بوضوح مواقفها وقدرتها على تحمل مسؤولياتها الوطنية، خصوصاً في اللحظات التي تتطلب قرارات عملية ومواقف لا تحتمل الالتباس.
إن معركة استعادة اليمن أكبر من الأحزاب، وأغلى من الحسابات السياسية. ومن يعلن الوقوف مع الدولة عليه أن يثبت ذلك بالموقف والعمل، لأن التاريخ لا يحفظ الشعارات وحدها، بل يسجل أيضاً مواقف القوى السياسية عندما توضع أمام اختبار المسؤولية.