التدريس ليست وظيفة تقضى في نهايتها ساعات الدوام ، ولا جدولاً يلقى على عجل ، بل هي "فن" يتطلب شغفاً ، وحضوراً روحياً يتجاوز مجرد سرد المعلومات .
المعلم ذلك الروح المعطاءه لكل مناحي الحياة ، فهو عامل يدوي ، يمضي إلى تعليم الأولاد بنفس الرغبة التي يمضي بها إلى المنفى ، إنه جائع ، ومقهور ، خائف من أن يفقد كسرة الخبز ."
بهذه الكلمات جسد الأديب الروسي أنطون تشيخوف جرحاً عميقاً في ( التربية والتعليم )، حيث يضع الإصبع على المفارقة المرة بين ما يجب أن يكون عليه المعلم وبين ما آلت إليه هذه الرسالة النبيلة على الواقع .
انها الكتابة بصيغة تشبه الاعتراف الجارح أو النقد الذي يسبق عصره بدهور .
عندما قرأتها رأيت أنها ليست مجرد كلمات عابرة تسخر من واقع مرير ، بل هي ما يفتقده الوعي التربوي الحديث كلما تعثرت المدارس وتراجع دور العلم .
عندما يكون المعلم يعيش في واقع جميل فإنه يصبح فنان اي أنه خرج إلى دائرة الابداع بدلاً من التلقين و الامتحانات و الدرجات .
هنا يكون مدرس حقيقي لا يحفظ كتاباً ويفرغه في عقول الصغار ، بل يشكل الوعي ، وينحته ويترك في كل تلميذ أثراً لا يمحى .
فحين يتحول التعليم إلى مجرد "دوام" ، و راتب هزيل ، وحصص تستهلك الأعصاب ، يفقد المعلم هيبته الروحية ويتحول إلى "مؤدي عمل" يشبه أي عامل في مصنع ، و يفرغ دوره ك "مثقف" ، ويجعله كائناً يستهلك المعلومات الباهتة .
العبارة الأكثر إيلاماً في مقولة تشيخوف هي تشبيه الذهاب إلى المدرسة بالذهاب إلى "المنفى"، والخوف على "كسرة الخبز".
عندما يصبح المعلم مطحون بالاحتياج المادي ، مشغول كيف يدبر إيجار بيته أو قوت أطفاله ، فإنك لا تستطيع أن تطالبه بابتسامة في الفصل ، ولا إبداع على السبورة .
ان الجوع والقهر يقتلان الخيال ، والشخص الخائف على لقمته لا يمكنه أن يعلم الأبناء كيف يكونوا أحرار ، شجعان ، ومبدعين .
إن الدولة التي تجوع معلمها، هي دولة تهدم صرحها من الاساس .
ان خلاصة ما اتحدث به هو صرخة احتجاج دفاعاً عنهم .
إننا هنا لا نستطيع أن نطلب جيلاً عظيماً ، ونحن نقدم له معلمين تم كسر أجنحتهم بالفاقة و الجوع .
لكي يزهر الطفل ، يجب أولاً أن يسقى المعلم كرامة ، وشغف ، وحرية .