آخر تحديث :الأحد-11 أكتوبر 2026-01:17ص

باب المندب أم بوابة الدولة؟

السبت - 10 أكتوبر 2026 - الساعة 09:25 م
محمد خالد الحسيني


في اعتقادي، لا تكمن معضلة اليمن في تأمين باب المندب وحماية الملاحة الدولية فحسب، بل في استعادة الدولة وإنهاء الانقسام الذي أبقى البلاد رهينة تعدد مراكز القوة والسلاح.

ومن هنا، فإن السؤال الذي تطرحه عملية فجر اليمن ليس فقط ما الذي يمكن أن تحققه عسكرياً، بل ما إذا كانت ستقود إلى دولة موحدة أم ستتوقف عند حدود التوازنات الإقليمية.

وفي هذا السياق، يكتسب تحذير المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، من الانزلاق مجدداً إلى حرب شاملة أهمية تتجاوز مخاطر التصعيد.

فالحكومة تعلن أن هدف العملية استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب، بينما تبرز تساؤلات بشأن مدى استعداد المجتمع الدولي لدعم هذه الأهداف، لا الاكتفاء باحتواء الحرب وتداعياتها على أمن المنطقة والبحر الأحمر.

وبرأيي، لا تعني المخاوف الدولية من اتساع المواجهة بالضرورة رفض العملية العسكرية، لكنها تطرح سؤالاً جوهرياً: هل يكون وقف التصعيد مدخلاً إلى حل ينهي أسباب الحرب، أم يتحول إلى غاية بحد ذاته، تفضي إلى تسوية تعيد توزيع النفوذ وتُبقي الأزمة قائمة؟

أرى أن المشكلة ليست في الدعوة إلى الحوار، بل في طبيعة التسوية التي قد ينتجها.

فقد تنجح المفاوضات في وقف إطلاق النار، لكنها لن تحقق سلاماً حقيقياً إذا بقي السلاح خارج سلطة الدولة، واستمر تعدد التشكيلات العسكرية، وظل القرار السياسي والعسكري موزعاً بين قوى متنافسة.

عندها تتوقف المعارك، لكن أسباب الحرب تبقى قائمة، ويظل تجددها احتمالاً مفتوحاً.

ومن هنا، أعتقد أن الفارق بين فجر باب المندب وفجر اليمن جوهري، فتأمين الملاحة في البحر الأحمر قد يتحقق بترتيبات أمنية وعسكرية محددة، أما استعادة الدولة فتتطلب مؤسسات فاعلة، وقيادة عسكرية وأمنية موحدة، وسلطة قادرة على فرض القانون وبسط سيادتها على أراضيها.

وفي نظري، يكمن الخطر في أن يُختزل اليمن في موقعه الاستراتيجي، فتتقدم حماية طرق التجارة على معالجة أزمته السياسية.

فقد تتفق الأطراف الدولية والإقليمية على تأمين السفن، من دون أن تتفق على دعم مسار ينهي الانقسام ويعيد القرار الوطني إلى مؤسسات الدولة.

وهنا يصبح السؤال: هل المطلوب يمن مستقر بدولة ذات سيادة، أم يمن مضبوط بتوازنات تمنع تهديد المصالح الدولية من دون معالجة جذور الصراع؟

لكن مسؤولية استعادة الدولة من الانقلاب الحوثي لا تقع على الخارج وحده، ولا يمكن بناء دولة قوية فيما يظل القرار العسكري موزعاً بين قوى متعددة، كما أن الاعتراف الدولي بالحكومة اليمنية لا يكفي ما لم يقترن بسلطة فعلية على القوات والمؤسسات.

لذلك، فإن توحيد القيادة العسكرية والأمنية شرط أساسي لأي مشروع جاد لاستعادة الدولة.

وفي هذا السياق، تعكس تصريحات عضو مجلس القيادة الرئاسي أبو زرعه المحرمي، والفريق محمود الصبيحي، وفق الخطاب الرسمي، تأكيداً أن العملية تستهدف استعادة الدولة والدفاع عن الجمهورية.

غير أنني أرى أن إعلان الأهداف لا يضمن تحقيقها؛ فذلك يتطلب تماسك القيادة السياسية والعسكرية، واستمرار القدرة الميدانية، والتعامل مع الضغوط الإقليمية والدولية دون التفريط بالغاية الوطنية.

ولا أعتقد أن الحل يكمن في رفض الحوار، بل في ضمان ألا يتحول إلى وسيلة لتجميد المواجهة قبل معالجة أسبابها.

فالمكاسب الميدانية ينبغي أن تخدم مشروع استعادة الدولة، لا أن تتحول إلى أوراق تفاوضية تنتهي بتوزيع النفوذ وإعادة إنتاج الأزمة.

كما أن مراعاة المصالح الإقليمية والدولية لا تعني تقديمها على حق اليمنيين في دولة موحدة تمتلك قراري الحرب والسلام.

إن الاختبار الحقيقي لعملية فجر اليمن ليس حجم التقدم العسكري وحده، بل قدرتها على فتح الطريق أمام دولة موحدة، ذات قرار سيادي مستقل ومؤسسات قادرة على فرض القانون.

فالميدان قد يغير موازين القوة، لكن القيادة السياسية هي التي تحدد ما إذا كان هذا التغيير سيؤسس لدولة أم يمهد لتسوية مؤقتة.

وفي اعتقادي، ليس السؤال أيهما أهم: باب المندب أم الدولة؛ فكلاهما مهم، لكن تأمين الممر البحري لا يغني عن معالجة الأزمة اليمنية.

فاستقرار البحر الأحمر يرتبط أيضاً بقيام دولة يمنية قادرة على إدارة شؤونها وبسط سيادتها.

باب المندب ممر استراتيجي لا غنى عن تأمينه، لكن بوابة الدولة هي الطريق إلى سلام حقيقي.

في اعتقادي، لن يكتمل فجر اليمن بتأمين باب المندب وحده، بل باستعادة الدولة وتوحيد القرار والسيادة.

فالملاحة الآمنة تحمي المصالح، أما الدولة القوية فتحمي اليمن وتصنع سلامه المستدام.