آخر تحديث :الأحد-01 نوفمبر 2026-10:12م

لكل جبهة حساباتها

السبت - 10 أكتوبر 2026 - الساعة 07:01 م
محمد المسبحي


حين تتعدد الجبهات وتتسع رقعة المواجهة، يصبح من الخطأ قراءة المعركة من زاوية واحدة، أو الحكم على مسارها بسرعة التقدم في هذا المحور أو ذاك. فالحروب لا تسير بردود الأفعال، ولا تُحسم بمجرد الرغبة في التعجيل بالنصر وانما بحسابات دقيقة تضع في الاعتبار طبيعة الأرض، وقدرات الخصم، وخطوط الإمداد، وتوقيت التحرك، وما يمكن أن تفرضه كل خطوة من نتائج على بقية الميدان.

وفي هذه الحرب تبدو هذه الحسابات أكثر تعقيدً فالقوات المسلحة اليمنية، بإسناد من التحالف العربي، تواجه جماعة مسلحة راكمت قدراتها على مدى سنوات، وأنشأت شبكة من التحصينات والأنفاق ومخازن السلاح وصواريخ بالستية واستفادت من الدعم الإيراني والخبرات المرتبطة بالحرس الثوري وحزب الله. ومواجهة خصم بنى قوته على هذا النحو لا تُختزل في حشد القوات أو فتح الجبهات، وإنما تحتاج إلى تخطيط طويل النفس، وتنسيق بين المحاور، ومعرفة دقيقة بمكامن القوة والضعف.

من هنا، لا يمكن النظر إلى جبهات الساحل الغربي، واستعادة باب المندب وجزيرة ميون، ومرتفعات تعز، بمعزل عن بعضها البعض أو التعامل معها باعتبارها معارك منفصلة لا يجمعها هدف واحد. فالموقع الجغرافي لكل جبهة يفرض حساباته، والسيطرة على الممرات الحيوية والمرتفعات المشرفة على خطوط الحركة والإمداد قد تكون لها آثار تتجاوز حدود المنطقة التي تدور فيها المواجهة. فالقيمة الحقيقية لأي تقدم عسكري لا تكمن في اتساع رقعة الأرض بقدر ما تكمن في أثره على حسابات الخصم، وقدرته على إرباك خططه، وتقليص قدرته على المبادرة والتحرك.

ويظل الإسناد الجوي عامل مهم في تغيير موازين الميدان، خصوصا حين يستهدف منشآت عسكرية ومخازن أسلحة ومواقع محصنة. وقد شهدت مناطق في صنعاء وصعدة وحجة وعمران ضربات استهدفت مواقع ومنشآت مرتبطة بالقدرات العسكرية للحوثيين، لكن المعيار الحقيقي لفاعلية هذه الضربات هو مقدار ما تُحدثه من خلل في المنظومة العسكرية للحوثيين، وما تسببه من تراجع في قدرتهم على الاحتفاظ بقدراتهم القتالية وإعادة توظيفها في الميدان.

وفي المقابل، فإن هدوء بعض الجبهات لا يكفي وحده للحكم على طبيعة ما يجري خلف خطوط المواجهة. فقد تفرض الميدانَ اعتبارات الإمداد والتموضع وإعادة تنظيم القوات، وقد تكون الأولوية في مرحلة معينة لتثبيت مكسب تحقق بدلاومن التوسع في تقدم لا تتوافر له شروط الاستمرار. لكن من الخطأ أيضا اعتبار كل هدوء دليلا على ترتيبات كبرى أو مقدمة حتمية لهجوم وشيك؛ فالتقدير العسكري الرصين يقوم على الوقائع والمؤشرات، لا على الأمنيات أو قراءة النوايا من دون أدلة.

والمهم في نهاية المطاف ليس عدد الجبهات المفتوحة، ولا كثرة التصريحات عن قرب الحسم، وإنما قدرة القيادة على إدارة المعركة بوصفها مسارا متكاملا، وتوظيف الموارد في المكان والوقت المناسبين، وتحويل أي تقدم ميداني إلى مكسب ثابت لا يتبدد مع أول تحول في موازين القوة. فالمكاسب التي لا تُحمى، والمواقع التي لا تُثبّت، والعمليات التي لا تنسجم مع هدف واضح، قد تتحول من عناصر قوة إلى أعباء إضافية.

ولهذا فإن قراءة مشهد المعركة الحالية تحتاج إلى قدر من الصبر والواقعية، بعيدا عن استعجال إعلان النصر أو تفسير كل تأخر باعتباره عجزًا. فلكل جبهة ظروفها، ولكل خطوة كلفتها، ولكل توقيت حساباته. والحسم لا تصنعه سرعة الحركة وحدها، بل القدرة على اختيار اللحظة المناسبة، وتثبيت ما تحقق، ومواصلة التقدم حتى تتحول المكاسب العسكرية إلى واقع يصعب التراجع عنه.