آخر تحديث :الأحد-11 أكتوبر 2026-01:17ص

صرخة في وجه انهيار التعليم

السبت - 10 أكتوبر 2026 - الساعة 05:59 م
عدنان زين خواجه


لم يعد خافيا على أحد أن قطاع التعليم يعيش أسوأ مراحله التاريخية، وسط تساؤلات مشروعة تضج بها صدور المعلمين وأولياء الأمور والمهتمين بالشأن العام: هل تمتلك الحكومة ووزارة التربية والتعليم نوايا صادقة واستراتيجيات حقيقية لانتشال المنظومة التعليمية بشقيها العام والجامعي من قاع الانهيار؟ أم أن عجلة التراجع باتت تسير بخطى ثابتة نحو مقتل المعرفة وبناء الأجيال؟

إن قراءة متأنية في واقع المدارس اليوم تكشف عن أسباب جوهرية وأزمات هيكلية تكالبت على التعليم، محولة إياه إلى هيكل أقرع يفتقر لأدنى مقومات النجاح.

المدارس المكتظة: 80 طالبا في زنزانة الصف الواحد

تتصدر البنية التحتية المتهالكة للمدارس قائمة الكوارث؛ فالفصول الدراسية باتت تعجز تماما عن استيعاب حجم الكثافة الهائلة للطلاب. هل يعقل أن يضم الفصل الدراسي الواحد ما بين 70 إلى 80 طالبا في مراحل التعليم الأساسي والمتوسط؟

في ظل هذه الأرقام الفلكية، تتبخر أي فرصة لإيصال المعلومة؛ فأمام هذا الكم الهائل، يعجز المعلم - مهما بلغت قدراته وخبرته - عن إدارة الصف أو السيطرة على الفوضى التي يخلقها طلاب جاؤوا ليلهو ويقضوا أوقاتهم دون اكتراث بتحصيل علمي، ناقلين ثقافات الشارع وسلوكياتهم الشاذة إلى داخل الحرم المدرسي.

معضلة التمرير والرسوب الوهمي

ولا تقف الأزمة عند حدود الكثافة، بل تمتد لتضرب عمق العملية التعليمية متمثلة في التراجع الرهيب بدور الأسرة وتخليها عن متابعة سلوكيات ومستوى أبنائها. ولعل الصدمة الكبرى تتمثل في وجود طلاب وصلوا إلى الصفوف المتوسطة وهم يعجزون عن الكتابة بشكل تام.

وهنا يبرز السؤال الملح: كيف ترفع إدارات المدارس ومربو الصفوف هؤلاء الطلاب عدة سنوات دراسية واجتيازهم بنجاح وهم بهذه الحالة؟ وكيف غاب هذا المستوى الكارثي عن وعي أولياء الأمور طوال تلك السنوات؟

المعلم المجوع: معادلة مستحيلة الإنتاج

في المقابل، تختل معادلة الإنتاج والتربية عندما نلقي نظرة على واقع المعلم. كيف يطلب من معلم يصارع الفقر والجوع، ويتقاضى راتبا لا يكفي لتوفير أدنى مقومات الحياة الكريمة لأسرته، أن يصنع جيلا متسلحا بالعلم والمعرفة؟

إن المعلم اليوم يعاني الأمرين: معيشة ضنكة، وغياب شبه تام للدورات التدريبية التنشيطية التي تعزز قدراته في إدارة الحصة وتوصيل المعلومة الحديثة. هذا الضغط المعيشي والنفسي أسقط المعلم في أتون العجز أمام واقع مجتمعي مترهل.

المسؤولية التشاركية: الأسرة والمجتمع والحكومة

التربية الحقيقية تبدأ من الأسرة، غير أن المجتمع بات يشهد حالة من التميع في إنكار فوضى الأبناء وانحرافاتهم السلوكية في الشوارع والمدارس. ومن هنا، تزداد معاناة المعلم وهو يحاول بمفرده إعادة الأجيال إلى جادة الصواب في ظل انهيار مجتمعي متسارع.

وعلى الصعيد الرسمي، يبدو أن الحكومة ووزارة التربية والمحافظين ما زالوا يكتفون بإدارة القطاع من خلف الطاولات والمكاتب المكيفة، دون نزول ميداني لمعرفة المعوقات الحقيقية التي تمس حياة الطالب والمعلم والأسرة عن قرب.

خارطة طريق للإنقاذ:

إن إقالة التعليم من عثرته تتطلب قرارات جريئة وشاملة، لا تجميلية:

التوسع البنيوي العاجل: بناء مدارس جديدة وتوسعة القاعات القائمة لفك ازدحام الشعب الدراسية وتقليص أعداد الطلاب.

الاعتبار المادي والمعنوي للمعلم: إقرار سلم رواتب يليق برسالة المعلم السامية ويكفل له ولأسرته العيش الكريم.

تطوير الكفاءات: إطلاق برامج تدريبية وتأهيلية دورية للمعلمين لمواكبة أحدث طرق التدريس والإدارة الصفية.

تحديث المناهج والسياسات: صياغة سياسات تعليمية ومناهج متطورة تواكب متطلبات العصر الحديث واحتياجات التنمية الشاملة.

تفعيل الشراكة المجتمعية: إعادة الاعتبار لدور الأسرة والمجتمع في تقويم سلوك الأبناء وبناء جيل واع ومسؤول.

التعليم ليس ترفا، بل هو أساس بقاء الأمم ونهضتها، وإنقاذه اليوم هو بمعزل عن الشعارات والمؤتمرات الورقية، بحاجة إلى صرخة ضمير تترجم إلى أفعال جادة على الأرض قبل فوات الأوان.