آخر تحديث :الأحد-11 أكتوبر 2026-01:17ص

أمُّ القضايا في الشرق الأوسط

السبت - 10 أكتوبر 2026 - الساعة 09:48 ص
محمد الرميحي


مع حلول الذكرى الثالثة لأحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، منذ أيام، يعود السؤال الذي غابَ وسط ضجيج الأيام الأولى: إلى أين نذهب بالقضية الفلسطينية؟ شهد الشرق الأوسط منذ ذلك اليوم عدداً من أعنف أزماته السياسية والاقتصادية والإنسانية، وأخشى أن يكون ما رأيناه مقدمة لما هو أشد، إذا استمرت إدارة الصراع بالعقلية نفسها. كتبت في هذا المكان، بعد أشهر من الحدث، مقالاً بعنوان «غزة الأمور بخواتيمها»، في فبراير (شباط) 2024، محذراً من حجم الكارثة المقبلة. لم يكن ذلك تنجيماً، وإنما قراءة لموازين القوة ولطريقة تفكير الطرف الآخر. جاءت النتائج قريبة مما خشيت، ولا أجد في ذلك ما يدعو إلى الرضا.

فلسطين أم القضايا في الشرق الأوسط، وربما إحدى أهم قضايا العالم الحديث. تتداخل فيها حقوق شعب اقتُلع من أرضه، وذاكرة دينية وتاريخية، واستعمار استيطاني، ومصالح دولية، جعلت حلها يتعثر جيلاً بعد جيل. يتعاطف معها أهل المنطقة لأسباب مفهومة، ويشاركهم كثيرون خارجها، رفضاً للظلم الواقع على الفلسطينيين. والتعاطف مهما اتسع، يحتاج إلى سياسة تحوله إلى مكاسب. هنا تعثرت التجربة مراراً، وصار الفلسطيني يدفع ثمن الاحتلال، وثمن أخطاء من يتصدرون الحديث باسمه.

يقف أمام الحل عاملان ثقيلان: تشدد اليمين الإسرائيلي، وغياب قرار أميركي حاسم يجعل قيام الدولة الفلسطينية التزاماً قابلاً للتنفيذ. هناك تحولات أوروبية مهمة، وبعضها تجاوز الكلام إلى الاعتراف بفلسطين، وهناك جهد سعودي مع شركاء عرب وأوروبيين لإحياء حل الدولتين. غير أن الاستيطان وتفتيت الأرض الفلسطينية، يبعدان إمكان تطبيقه. ويمنح إغلاق الأفق السياسي المتشددين فرصة جديدة، كما يمنح القوى الإقليمية الراغبة في التدخل مادة جاهزة لتوسيع نفوذها.

عرفنا هذا الاستخدام منذ عقود. كانت نكبة فلسطين من العوامل التي مهدت لصعود العسكر، ثم أصبحت القضية مصدراً لشرعية أنظمة وعدت بالتحرير وطالبت شعوبها بالصمت انتظاراً للمعركة. صدَّق جمهور واسع تلك الوعود. كان الجرح حقيقياً، والأمل في الخلاص كبيراً. مضت السنوات، وضاقت الحريات، وتراجعت التنمية، وبقيت الأرض محتلة، بل توسع الاحتلال. لم تكن فلسطين مسؤولة عن فشل تلك الأنظمة، ولكن اسمها استُخدم لحماية الفشل من المساءلة، ولتأجيل مطالب الناس في حياة كريمة، والتفكير بشكل علمي لمواجهة الأزمة.

ثم جاءت إيران الثورية بخطاب ديني - مذهبي، ووجدت في القضية مدخلاً إلى مجتمعات عربية وإلى بناء نفوذ يتجاوز حدودها. وساعدها على ذلك إحباط فلسطيني مفهوم، لكنه لا يجعل الخيارات الناتجة عنه صحيحة بالضرورة. ذهبت أطراف فلسطينية إلى تحالفات مع أنظمة عسكرية وبعثية، ثم راهن بعضها على المشروع الإيراني، وابتعد عن دول الاعتدال العربي. خلطت تلك الفصائل بين من يريد تسوية تعيد للفلسطيني أرضه، ومن يحتاج إلى استمرار النزاع ليحتفظ بدوره. تراكمت الأخطاء، وكان نصيب الشعب من الخسارة أكبر من نصيب أصحاب القرار.

وامتد استغلال المظلومية الفلسطينية إلى خطاب الحوثي والقاعدة و«داعش» وجماعات التكفير. لا يصح اختزال نشأة هذه التنظيمات في فلسطين، لكن القضية حضرت في دعايتها لتجنيد الغاضبين. أما حساب النتائج، فكان غائباً. وفي المقابل، بنت الحركة الصهيونية مؤسسات، ونسجت تحالفات، واستثمرت في المعرفة وتنظيم المصالح، إلى جانب استخدامها العنف والتهجير. ذلك لا يمنحها حقاً في أرض غيرها، لكنه يفسر جانباً من اختلال المواجهة.

دفع الفلسطيني الثمن قتلاً وتهجيراً وهدماً، وسنوات طويلة خلف القضبان. ولا تعني هذه المراجعة إعفاء إسرائيل من مسؤوليتها عن الاحتلال وجرائمه، فالمسؤولية واضحة. المقصود أن عدالة القضية لا تعصم قياداتها من الخطأ، وأن الاعتراف بالخطأ شرط لتصحيحه، خصوصاً عندما يكون ثمنه حياة أجيال كاملة ومستقبلها. أرى أن المراجعة تبدأ من سؤال بسيط: ماذا أضاف كل خيار إلى قدرة الفلسطيني على البقاء في أرضه وانتزاع حقه؟ مفكرون فلسطينيون طرحوا أسئلة شجاعة عن الوسائل والتحالفات وتكلفة المغامرة، فواجه بعضهم التخوين والتهميش. لا يمكن بناء سياسة ناجحة إذا صار نقد القرار اعتداء على القضية. من حق الناس الذين تحملوا الخسائر أن يسألوا قياداتهم، وأن يميزوا بين التضحية المفروضة عليهم، والمخاطرة التي تقررت من دون مشاركتهم. وتقتضي المراجعة أيضاً إصلاح البيت الفلسطيني، وتجديد شرعية مؤسساته، وتوحيد قراره، وتقديم برنامج يستطيع مخاطبة العالم بلغته ومصالحه. الاعترافات الدولية تحتاج إلى متابعة قانونية ودبلوماسية، وإلى ضغط يمنع الاستيطان، ويحمي السكان ويتيح إعمار ما تهدم. وهذه أعمال شاقة، لكن نتائجها قابلة للقياس.

لا يكفي أن نكسب تعاطف شارع أوروبي، ثم نخسر أثره بخطاب يخلط بين اليهود جميعاً وسياسات إسرائيل، أو بفعل أعمى يمنح خصومنا فرصة تشويه الحق الفلسطيني. تلك مسؤولية سياسية وأخلاقية لا يجوز الهرب منها. أمامنا اليوم اتجاهان، جهد تقوده السعودية مع دول عربية وأوروبية لفتح طريق الدولة الفلسطينية، واتجاه يطيل الصراع وتستفيد منه قوى توسع نفوذها باسم إنقاذ فلسطين. نجاح الأول يحتاج إلى دعم فلسطيني موحد، وإلزام واشنطن بمسؤوليتها. لكن البديل الذي جُرّب طويلاً يترك الفلسطيني أمام خسائر تتراكم، ويترك رعاته يتفاوضون على مصالحهم الخاصة. استمرار الطريق نفسه قد يجعل القادم أسوأ مما يتوقع أكثرنا تشاؤماً.

أم القضايا تستحق نقاشاً لا تحكمه المزايدة، وعملاً يحسب الإمكانات ويصون البشر. الفلسطيني أحق بأرضه وبحياته معاً.

آخر الكلام: في عالم السياسة تحتاج الفرص إلى قيادة تجمع بين الشجاعة والحكمة.