آخر تحديث :السبت-10 أكتوبر 2026-12:54ص

هل تتجاوز فجر اليمن معضلة السياسة؟

الجمعة - 09 أكتوبر 2026 - الساعة 10:56 م
محمد خالد الحسيني


يمثل تأمين مضيق باب المندب وجزيرة ميون، وتثبيت القوات المسلحة فيهما، تطوراً بالغ الأهمية في مسار عملية فجر اليمن، إذا ما جرى استثماره والبناء عليه لتحقيق تقدم أوسع نحو استعادة الدولة اليمنية.

غير أن تجاوز معضلة الجغرافيا لا يعني بالضرورة تجاوز معضلة السياسة، ولا يضمن أن تسير المعركة بالوتيرة ذاتها حتى استكمال أهدافها.

فهل تنجح فجر اليمن في تجاوز الخلافات الداخلية كما تجاوزت بعض التعقيدات الميدانية، أم أن التحديات السياسية ستفرض نفسها مجدداً، وتحدّ من زخم الانتصارات العسكرية؟

يبرز هنا موقف عيدروس الزبيدي، الذي أكد أن شعب الجنوب لن يقبل، وفق تعبيره، أن تُسرق انتصارات قواته المسلحة، بالتزامن مع التطورات العسكرية في ذباب وكهبوب وباب المندب وجزيرة ميون.

وهو موقف يطرح تساؤلات تتجاوز مضمون التصريح إلى توقيته ودلالاته: هل يتعلق الأمر بتباين حول إدارة المعركة ونسب الانتصارات، أم أنه يعكس خلافاً أعمق بشأن مستقبل المناطق المحررة وشكل الدولة التي يُراد استعادتها؟

في اعتقادي، لا ينبغي التقليل من أهمية هذه التساؤلات، كما لا يصح الجزم بأن تصريحات الزبيدي تعني بالضرورة تعثر العمليات العسكرية أو توقف مشاركة القوات الجنوبية.

فالمعيار الحقيقي ليس حدة الخطاب السياسي، بل انعكاسه على الميدان، ومدى تأثيره في قرارات القوات وتماسكها واستعدادها لمواصلة القتال ضمن هدف وطني مشترك.

وهنا تكمن المعضلة الحقيقية: هل ستواصل القوات الحكومية والقوات الجنوبية التقدم بالوتيرة نفسها لتحرير ما تبقى من الأراضي واستعادة مؤسسات الدولة، أم أن الخلافات السياسية قد تفرض حدوداً على المسار العسكري، بحيث تتوقف المعركة عند مواقع استراتيجية بعينها، فيما تبقى القضايا الجوهرية معلقة؟

لا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة بمعزل عن التقارب السعودي الإماراتي، الذي تكتسب تطوراته أهمية خاصة في ضوء التحولات الميدانية.

فهل دفعت المخاوف المرتبطة باب المندب وأمن الملاحة الدولية الرياض وأبوظبي إلى إعادة تنسيق مواقفهما، أم أن ما يجمع البلدين من مصالح وتحديات يتجاوز أهمية موقع جغرافي، مهما بلغت قيمته الاستراتيجية؟

في نظري، لا يمكن اختزال التقارب بين البلدين في تأمين باب المندب وحده؛ فهناك مصالح مشتركة تتصل بأمن المنطقة، ومواجهة التهديدات الحوثية، واستقرار البحر الأحمر، وحماية خطوط الملاحة.

لكن السؤال الأهم يظل متعلقاً بطبيعة هذا التقارب وحدود أهدافه: هل يشمل دعماً واضحاً لاستعادة الدولة اليمنية ومؤسساتها وسيادتها، أم يتركز على تأمين المواقع الاستراتيجية وحماية المصالح المشتركة، من دون معالجة الخلافات التي تعوق توحيد القرار اليمني؟

إن الإجابة لا تُستخلص من التصريحات وحدها، بل من النتائج التي ستترتب على أي تفاهمات.

فالدليل الحقيقي على جدية التقارب هو ما إذا كان سيُترجم إلى تنسيق عسكري وسياسي مستدام، يدعم مؤسسات الدولة ويوحّد الجهود نحو هدف واضح، أم سيظل تفاهمًا تفرضه ظروف الميدان وتحدده أولويات المصالح الآنية.

ومع ذلك، فإن المسؤولية لا تقع على الأطراف الإقليمية وحدها، فالمعركة، في جوهرها، معركة اليمنيين، واستعادة الدولة لا يمكن أن تتحقق بإرادات خارجية فقط، مهما كان دور الشركاء الإقليميين مهماً.

ومن هنا تأتي ضرورة يمننة المعركة، بدءاً من القرار السياسي بإطلاق فجر اليمن، مروراً بتوحيد أهدافها وقيادتها، وانتهاءً بضمان أن تتحول المكاسب العسكرية إلى خطوات فعلية نحو استعادة مؤسسات الدولة وسيادتها.

وأعتقد أن أخطر ما قد يواجه العملية ليس تعقيدات الجغرافيا فقط، بل احتمال أن تتقدم القوات على الأرض فيما يظل القرار السياسي موزعاً بين حسابات متباينة.

فاستعادة المواقع لا تعني بالضرورة استعادة الدولة، وتأمين الممرات الدولية لا يكفي وحده لإنهاء الانقسام أو توحيد المؤسسات ومراكز القوة.

إن باب المندب، على أهميته، ليس غاية المعركة، بل إحدى محطاتها الاستراتيجية، والنجاح الحقيقي لفجر اليمن لن يُقاس فقط بما تحرره القوات، بل بقدرتها على مواصلة التقدم، وتجاوز الخلافات، ومنع تحول الانتصارات إلى أوراق نفوذ متنافسة.

فهل يكون التقارب السعودي الإماراتي رافعة لاستعادة الدولة اليمنية، أم يظل محصوراً في تأمين المصالح والمواقع الاستراتيجية؟ وهل تستطيع فجر اليمن تجاوز معضلة السياسة كما تجاوزت معضلة الجغرافيا؟

ذلك هو الاختبار الحقيقي: أن تكون استعادة باب المندب بداية لاستعادة اليمن، لا نهاية المعركة عند حدود المصالح المتقاطعة.

محمد خالد الحسيني