ثمة ارتباك واضح في قراءة المشهد اليمني اليوم، ليس بسبب نقص الأخبار، وإنما بسبب كثرتها وتناقضاتها أحياناً.
نسمع عن تقدم هنا، وسيطرة هناك، وتحرير مناطق وجبال واسعة، ثم نفاجأ بعد ساعات أو أيام بأخبار عن هجمات ومعارك في المناطق نفسها، وكأن الأرض التي قيل إنها تحررت لم تتحرر بالكامل، أو أن السيطرة عليها لم تكن نهائية.
فما الذي يحدث بالضبط؟
في رأيي، مفتاح فهم هذه المفارقة يكمن في طبيعة الحرب اليمنية نفسها؛ فهي ليست حرب خطوط مستقيمة تتحرك فيها الجبهات من نقطة إلى أخرى، وإنما حرب معقدة تحكمها الجغرافيا والتضاريس والمرتفعات وطرق الإمداد والجيوب والمواقع المتداخلة.
ولهذا، فإن السيطرة على جبل لا تعني بالضرورة السيطرة على كل ما حوله، والسيطرة على طريق لا تعني تأمين كامل محيطه، ودخول منطقة لا يعني أن المعركة انتهت فيها.
وهنا يمكن فهم كثير من الأخبار التي تبدو متناقضة، عندما نسمع عن تقدم في الوازعية، وتحرير جبال كهبوب، وتجاوز ذباب والاقتراب من المخا، ثم نسمع في المقابل عن معارك محتدمة في لحج أو هجمات مضادة في مناطق سبق الإعلان عن السيطرة عليها، فليس بالضرورة أن أحد الخبرين صحيح والآخر كاذب.
قد يكون التقدم قد حدث فعلاً، لكن التقدم شيء والسيطرة المستقرة شيء آخر، وهذه نقطة جوهرية في قراءة الحرب.
فالتحرير العسكري لا يكتمل بمجرد دخول الموقع، وإنما يحتاج إلى تثبيت وتأمين ومنع الهجمات المضادة وتأمين طرق الإمداد والمحيط الجغرافي.
وفي أرض مثل اليمن، يمكن لجيب صغير أو مرتفع أو طريق فرعي أن يعيد فتح معركة ظن الجميع أنها انتهت.
أما في الجو، فالمفارقة تبدو أكثر وضوحاً،
هناك طيران يضرب مواقع في صنعاء ومناطق أخرى، وفي المقابل تُطلق الصواريخ والمسيرات من مناطق مختلفة وتصل إلى أهداف بعيدة وحساسة، بينما لا نرى دائماً تغييراً برياً يتناسب مع حجم الضربات.
والسبب، في اعتقادي، أن الحرب لا تُقاس بحجم النار وحده، وإنما بما تغيره هذه النار على الأرض.
الغارة قد تدمر موقعاً، والصاروخ قد يصيب هدفاً مهماً، والطائرة قد تعطل منشأة، لكن أياً من ذلك لا يعني وحده السيطرة على الأرض.
القوة الجوية تستطيع أن تضرب، لكنها لا تستطيع أن تمسك الأرض، والصاروخ يستطيع أن يصل إلى هدف بعيد، لكنه لا يستطيع أن يرسم وحده خريطة السيطرة،
لذلك يمكن أن تكون السماء مشتعلة بينما تبقى الخريطة البرية شبه ثابتة.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي حول فجر اليمن أهم بكثير من أخبار التقدم اليومية:
هل نحن أمام بداية حسم، أم أمام جولة جديدة من حرب طويلة؟
في نظري، لا يزال الحكم مبكراً، لكن المؤشر الحقيقي لن يكون عدد المواقع التي أُعلن تحريرها، وإنما قدرة العملية على تحويل التقدم التكتيكي إلى مكسب استراتيجي مستقر.
لأن الخطر ليس في أن تتعثر معركة هنا أو هناك، وإنما في أن تتحول الحرب إلى دائرة مفرغة: تقدم، ثم هجوم مضاد، ثم استعادة جزئية، ثم قصف، ثم إعادة انتشار، ثم عودة إلى النقطة نفسها.
وهنا تحديداً تصبح فجر اليمن أمام اختبارها الحقيقي، فهي لم تعد قضية يمنية فقط؛ فمنذ انطلاقها ارتبطت بحسابات إقليمية ودولية ومصالح ومخاوف تتجاوز حدود الجغرافيا اليمنية.
ولهذا فإن نجاحها لن يقاس فقط بما يحدث في الجبهات، وإنما بقدرتها على تجاوز تعقيدات الأرض وتحويل الحركة العسكرية إلى تغيير حقيقي.
وفي رأيي، السؤال الذي يجب أن يظل حاضراً ليس: من تقدم اليوم؟
بل: هل تغيرت قواعد المعركة؟
فإذا استطاعت فجر اليمن أن تجعل ما يتحقق على الأرض ثابتاً، وأن تمنع العودة إلى الجغرافيا ذاتها، فقد نكون أمام بداية مرحلة مختلفة.
أما إذا ظلت تدور حول الأهداف نفسها، والمسميات نفسها، والجبال نفسها، والجغرافيا نفسها، فقد تكون مجرد جولة أخرى في الحرب نفسها.
فالحسم لا يبدأ عندما تتغير أسماء المواقع في الأخبار، وإنما عندما تصبح الخريطة الجديدة أقوى من قدرة الحرب على إعادتها إلى ما كانت عليه.
محمد خالد الحسيني