تاريخ الحروب في اليمن لا يُكتب بحبر العواطف وإنما بمداد الدم والوجع، على خارطة صلبة لا ترحل ولا تجامل. ومن يظن أن استعادة الدولة وجهد تحريرها مجرد سباق سرعة نحو العاصمة أو الساحل، فهو يقرأ التاريخ مقلوبا، والجغرافيا بوجهها الخطأ. لقد أثبتت تجارب السنوات العصيبة أن الاندفاع الأعمى نحو الواجهات البراقة دون إحكام القواعد والظهور، ليس سوى انتحار سياسي وعسكري يعيد تدوير الهزائم. المعركة هنا لا تقبل القفز ولا التذاكي على أبجديات الميدان؛ فمن لم يبدأ بترتيب الأساسات وإحكام الحلقات من الجذور حتى القمة، محكوم بأن يرى مشروعه يتهاوى تحت قدميه في منتصف الطريق.
تبدأ حكاية أي استراتيجية جادة من البوابة الجنوبية المفتوحة على رياح العالم؛ باب المندب، وذوباب، والمخا تأمين الشريط الساحلي وخطوط الملاحة الدولية ليس مجرد تفصيل تكتيكي، بل هو قطع لشرايين الإمداد التي يقتات عليها الخصم. لكن الخطأ القاتل يبدأ حين يظن المرء أن بوسعه الزحف نحو الساحل الغربي وظهره مكشوف تماما لمدينة تعز. إن تحرير الحجرية وتأمين تعز وإب ليس هو الضمانة الوحيدة لكي لا تنقلب المعركة على صاحبها في منتصف الطريق. فالحديدة بلا تعز قاعدة مكسورة، والتقدم نحوها دون تأمين الظهر مغامرة خاسرة تتحول إلى حصار عكسي لمن يظن أنه مهاجم.
وما إن يستقيم الظهر وينتظم الخط الجنوبي الغربي، حتى تبرز العقدة المركزية في الشرق والوسط؛ مأرب والبيضاء والجوف ككتلة واحدة لا تقبل التجزئة. من وهم السياسة الميدانية فصل مأرب عن بيئتها، فالبيضاء هي الخاصرة الرخوة التي طالما تسلل منها الخصم لتهديد قلب المعركة. وحين تتزامن جبهة الوسط مع ترتيبات الجنوب، يصبح الطريق ممهّدا وآمنا للالتفاف نحو الحديدة، لا كهدف مستعجل، بل كاستحقاق تكتيكي يأتي في أوانه الطبيعي بعد إغلاق الثغرات كلها.
أما المعركة الكبرى، معقل التمرد في صعدة وحجة، فلا تُحسم بالاصطدام المباشر المعتاد على جبال تعج بالتعقيد، بل بضربات خاطفة وإنزال نوعي يعيد ترتيب القواعد من حدود الجغرافيا المجاورة، لقطع رأس الأفعى مباشرة. وحين تكتمل هذه الحلقات، تأتي الخاتمة في العاصمة صنعاء، التي لم تكن يومًا مدينة تُقتحم بالقوة الفظة، بل تُطوَّق بهدوء وشمول حتى تسقط من داخلها حين يلتف الحبل حولها من كل الاتجاهات، تمامًا كما يفعل الزمان بالحصون المغلقة. التاريخ العسكري يخبرنا مرارا وتكرارا أن من لا يحترم تسلسل الجغرافيا، تعاقبه الجغرافيا في نهاية المطاف.