هناك إعلامٌ يبحث عن الحقيقة، وإعلامٌ يبحث عن مَن يدفع ثمن الكذبة!
وبين الاثنين تضيع الحقيقة أحيانًا، لا لأنها عاجزة عن الظهور، بل لأن هناك من يضع لها كمامة، ثم يطلب من الناس أن يصفقوا للصمت باعتباره «استقرارًا»!
عندما يتحول الإعلام من مرآةٍ للحقيقة إلى مصنعٍ للأكاذيب، لا تعود المشكلة في الكاميرا ولا في الميكروفون ولا في الصحيفة؛ المشكلة تبدأ من الضمير الذي يقف خلفها، ومن العقل الذي قرر أن الحقيقة خطر، وأن الكذبة أكثر أمانًا.
كيف تُكمَّم الأفواه؟
تكميم الأفواه لا يحتاج دائمًا إلى سجنٍ أو بابٍ حديدي.
أحيانًا يكفي أن تجعل الصحفي يخاف على وظيفته، والكاتب يخاف على راتبه، والمواطن يخاف على أسرته، والمصور يخاف من كاميرته، ثم تقول للجميع: «تفضلوا… عبّروا عن آرائكم بحرية!»
يا لها من حرية عجيبة!
حريةٌ تشبه غرفةً بلا جدران، لكن كل من فيها يعرف أن هناك عينًا تراقبه.
وأحيانًا يكون السلاح أكثر نعومة: التشهير، التخوين، الإقصاء، قطع الإعلانات، حجب المنابر، شراء الصمت، وتوزيع التهم الجاهزة.
فإذا لم تستطع إسكات صاحب الرأي، حاول تشويه سمعته.
وإذا لم تستطع الرد على حجته، هاجم شخصه.
وإذا عجزت عن تفنيد الوثيقة، شكّك في صاحبها.
وإذا ظهرت الحقيقة، ابحث لها عن تهمة!
وهكذا يتحول النقاش من سؤال: «هل ما قيل صحيح؟» إلى سؤال آخر أكثر راحة لأصحاب المصالح: «من الذي قاله؟ ولماذا قاله؟ ومن يقف خلفه؟»
الإعلام الذي يخاف من السؤال
بعضهم يريد إعلامًا لا يسأل: من أين جاءت المعلومة؟
يريدك أن تصدّق أولًا، ثم تفكر لاحقًا… إن سمح لك بالتفكير أصلًا!
يريدون صحفيًا يرى ولا يكتب، ويسمع ولا يسأل، ويعرف ولا يكشف، ويصفق حين ينبغي أن يحقق.
يريدون الميكروفون مفتوحًا، لكن للعناوين التي تخدمهم فقط.
وهنا تبدأ الكارثة؛ لأن الإعلام عندما يتخلى عن مهمته الأساسية، لا يعود إعلامًا، بل يصبح مكبر صوتٍ لمن يملك المال أو السلطة أو النفوذ.
صناعة «الشعب المطيع»
الأخطر من الكذبة نفسها هو صناعة مجتمع يعتاد الكذبة.
فحين تُكرر الكذبة ألف مرة، ويُحاصر السؤال ألف مرة، ويُسخر من صاحب الرأي ألف مرة، يبدأ بعض الناس في الشك في عقولهم بدلًا من الشك في الرواية الرسمية.
وهنا تنجح عملية صناعة «الشعب المطيع».
والأطرف أن بعض صانعي هذا النوع من الإعلام يريدون منك أن تصنع لهم شعبًا لا يسأل، ولا يناقش، ولا يعترض؛ شعبًا يبتلع الخبر كما يُلقى إليه، ثم يغضبون عندما يكتشف أحد أن الحمار الحقيقي ليس من جرى خداعه، بل من باع عقله بالمجان واشترى الكذبة بالتقسيط!
لكن المشكلة ليست في المواطن وحده.
المواطن الذي حُرم من المعلومة الصحيحة، وأُغرق في التضليل، وحُوصرت أمامه الأصوات المختلفة، لا يمكن تحميله وحده مسؤولية المشهد.
المسؤولية الأكبر تقع على من جعل الكذب سياسة، والصمت وظيفة، والنفاق مهنة.
الإعلام الحقيقي لا يصفق
الإعلام الحقيقي ليس موظف علاقات عامة للسلطة، ولا بوقًا للمعارضة، ولا محاميًا مجانيًا لأي طرف.
الإعلام الحقيقي يسأل الجميع.
يحقق مع الجميع.
ينتقد الجميع.
ويضع المصلحة العامة فوق مصلحة الأشخاص والجماعات.
فالصحفي الذي لا يستطيع أن يقول «لا» عندما تستحق «لا» أن تُقال، ليس صحفيًا بالمعنى الذي تحتاجه المجتمعات؛ إنه مجرد حامل ميكروفون ينتظر التعليمات.
والكاتب الذي يخاف من الحقيقة أكثر مما يخاف من الخطأ، قد ينجو من غضب المسؤول، لكنه لن ينجو من سؤال التاريخ.
أخطر أنواع الرقابة
أخطر رقابة ليست التي تمنعك من الكتابة، بل التي تجعلك تخاف قبل أن تكتب.
عندما يجلس الكاتب أمام صفحته ويفكر:
هل أكتب هذه الجملة؟
هل أحذف تلك الكلمة؟
هل أغضب فلانًا؟
هل أخسر عملي؟
هل يُتهم موقفي بالخيانة؟
هل تُفتح ضدي قضية؟
هنا تكون الرقابة قد وصلت إلى رأس الكاتب نفسه.
لم يعد الرقيب بحاجة إلى الوقوف خلف الباب؛ لقد انتقل إلى داخل الرأس!
وهذه هي اللحظة التي يصبح فيها تكميم الأفواه أكثر نجاحًا من السجن؛ لأن السجين يعرف أن الأبواب مغلقة، أما الكاتب الذي يراقب نفسه فيظن أنه حر!
لا تخافوا من الإعلام… خافوا من إعلام بلا ضمير
المجتمعات لا تنهار لأن الناس تتحدث، بل تنهار عندما يصبح الحديث جريمة، والسؤال وقاحة، والنقد خيانة، وكشف الفساد «تشويهًا للوطن».
الوطن لا يخاف من سؤال مواطن.
الوطن الذي يخاف من السؤال يحتاج إلى إصلاح، لا إلى مزيد من مكبرات الصوت.
والسلطة التي تثق بنفسها لا تحتاج إلى إسكات خصومها؛ بل ترد عليهم بالحجة والوثيقة والقانون.
أما حين يصبح الرد على المقال محاكمة، وعلى السؤال تهديدًا، وعلى النقد تخوينًا، فهنا لا تكون المشكلة في الكاتب الذي تكلم، بل في الواقع الذي لم يحتمل كلامه.
الإعلام الحر لا يصنع شعبًا من الحمير؛ بل يمنع تحويل الشعب إلى قطيع.
والحقيقة لا تحتاج إلى حراسةٍ من الشرطة، بل تحتاج إلى مساحةٍ آمنة كي تُقال.
أما الكذبة، فهي التي تحتاج دائمًا إلى حراس، ومكبرات صوت، وجيوش من المبررين.
وفي النهاية، يستطيعون إغلاق صحيفة، وحجب منصة، وإسكات ميكروفون، وربما تخويف كاتب.
لكنهم لن يستطيعوا إلى الأبد أن يكمموا عقلًا تعلّم كيف يسأل.
فحين يصبح السؤال ممنوعًا، يصبح السؤال نفسه فعل مقاومة فكرية.
وحين يُطلب من الناس أن يصمتوا باسم «الاستقرار»، فليتذكر الجميع:
الصمت قد يصنع هدوءًا مؤقتًا… لكنه لا يصنع حقيقة.
والإعلام الذي يفقد ضميره لا يصنع وعيًا؛
إنه يصنع جمهورًا يصفق للكذبة، ثم يبحث عن الحقيقة بعد فوات الأوان.