إن أخطر ما يُبتلى به الوعي الوطني والإنساني في معارك التاريخ، ليس في قوة العدو المتحضر، بل في سقوط القضية العادلة في أيدي جماعة همجية لا تعرف من الحق إلا اسمه، ولا من العدالة إلا شعارها. فكم من حقٍ ساطعٍ كالشمس أطفأته يد الجهل، وكم من قضية نبيلة تحولت على يد التطرف إلى لعنة تطارد أهلها. إن المعركة اليوم ليست بين ظالم ومظلوم فحسب، بل هي بين وعيٍ يريد أن يبني الدولة، وهمجيةٍ تريد أن تهدم الإنسان، وبين عقلٍ جمهوريٍ حر، وكهنوتٍ مقنعٍ بثوب الدين.
لا تكن محامياً للهمجية باسم العدالة، فتخون الوعي والجمهورية. إياك أن تناصر أو تبرر سلوكيات الجماعات الهمجية المتخلفة، حتى وإن توهمت أن قضيتها عادلة في ظاهرها فالحق حين يقع في قبضة الهمج، يفقد عقله وروحه وحسه الإنساني، ويتحول من مشروع حقٍ ممكن التحقيق، إلى مشروع فوضى وإرهاب مزمن لا ينتهي.
أنت تستطيع أن تحاصر المعتدي المتحضر بالعقل والحجة والقانون، لأن وعيه - مهما انحرف وتجبر - لا يزال يملك لغة مشتركة مع الإنسانية، ويملك بقية من ضمير قادرة على المراجعة، ويفهم على الأقل معنى الحدود والدولة والقوانين والمواثيق.
أما الهمجي المتطرف دينياً، المسكون بوهم الاصطفاء والحق الإلهي، فإنه حتى حين يصرخ مطالباً بحقه المزعوم، فهو يطالب بما لا يعرفه، ويثور من أجل ما لا يدركه، ويهدم بيديه ما يزعم أنه يريد إصلاحه. إنه كائن بلا بوصلة، يحمل معول الهدم وهو يظن أنه يحمل مشعل الحرية.
ولهذا يصبح الحوار معه ضرباً من العبث السياسي والفكري، لأنك لا تحاور عقلاً يبحث عن الحقيقة، بل تحاول إقناع غضبٍ أعمى، وتهذيب فوضى مقدسة، وترويض وحشٍ يظن أن الجنة في فوهة البندقية. إنك تحاول أن تزرع ورداً في حقل ألغام.
ببساطة ووضوح جمهوري لا يقبل المساومة: العقل الوطني الحر لا يجب أن ينحاز إلى الأشخاص والشعارات والجماعات، بل يجب أن ينحاز إلى الوعي والمشروع والدولة. ولا يجب أن تقف مع طرفٍ فقط لأنه يدعي المظلومية، بل قف مع الطرف القادر على أن يُصلح الظلم دون أن يفتح أبواب الجحيم والهمجية والتخلف على مصراعيها، ودون أن يستبدل استبداداً باستبداد، وكهنوتاً بكهنوت.
إن الجمهورية التي حلمنا بها واستشهد من أجلها الأحرار في 26 سبتمبر، لم تكن مجرد انتقال سلطة من إمام إلى رئيس، بل كانت انتقال وعي من الكهنوت إلى الدولة، ومن الخرافة إلى العقل، ومن حكم الفرد إلى حكم الشعب. فلا تجعلوا قضاياكم العادلة مطية للعودة إلى ما قبل التاريخ، ولا تسمحوا للهمجية أن تتسلق على جراحكم لتعيد إنتاج الإمامة بوجه جديد. إن الحق الذي لا يحمله الأحرار الواعون، سيحمله العبيد المتطرفون ليجعلوه سوطاً على ظهورنا جميعاً، والتاريخ لا يرحم من يخون وعيه.