آخر تحديث :السبت-31 أكتوبر 2026-01:04م

رفاهية الفنادق وأنين المواطن

الثلاثاء - 06 أكتوبر 2026 - الساعة 01:39 م
عبدالكريم الدالي



ان الصراع على الجغرافيا ، كانت دوماً مرآة عاكسة لأعمق التناقضات الإنسانية والسياسية . ولعل التعبير ( رفاهية الفنادق وأنين المواطن ) يختزل في طياته أشد هذه التناقضات إيلاماً . إنه يلخص الفجوة الشاسعة والتباين الصارخ بين عالمين يعيشان ذات الأزمة ، لكن أحدهما يكتوي بنارها ، بينما الآخر يراقبها من خلف النوافذ الزجاجية للفنادق الفاخرة في العواصم الآمنة ، وهنا تتجلى بوضوح معضلة تضحية المواطن وفساد وفشل القيادة .

تعيش اليمن اليوم واحدة من أحلك مراحلها التاريخية ، ليس فقط بسبب كاهل الحرب المستعرة، بل بفعل الفجوة الطبقية والأخلاقية السحيقة التي صنعتها بعض النخب الحاكمة والمكونات السياسية التابعة لها . فبينما يكتوي المواطن في الداخل بنيران الأزمات المعيشية الطاحنة ، تلوذ قيادات ودوائر مقربة منها بحياة الرغد والرفاهية في عواصم ودول الجوار .

وفي الوقت الذي يواجه فيه الشعب انعدام الخدمات الأساسية وتدهور العملة ، نرى مَن يفترض بهم تمثيل الشعب المظلوم يسكنون الفنادق الفاخرة ، ويتملكون العقارات الفارهة في مدن كالقاهرة وإسطنبول ، مقتاتين على مقدرات البلاد وثرواتها المنهكة تحت لافتات ومسميات شتى ، لعل أبرزها ما يُعرف بـ ببند الإعاشة ، الذي تحول في نظر الكثيرين إلى بوابة مشرعة للفساد المنظم وهدر المال العام ، باستثناء قلة قليلة نأت بنفسها عن هذا المشهد التكسبي ، إنها صرخة مواطن يمني ، تعكس حقيقة الألم والمعاناة ، وتضع النخبة أمام مسؤوليتها التاريخية والأخلاقية ، تتبدد الشعارات الرنانة لتفسح المجال لواقع مرير تملؤه رائحة الفساد والفشل لمواطن يعيش بذون خدمات لا كهرباء لاماء لاصحة لاتعليم لانظافة لا صرف صحي لا طرقات لا اتصالات ، وانهيار سعر صرف العملة المحلية فكان سبب في ارتفاع الأسعار الجنوني ، فكان البحث المضني عن شربة ماء أو كسرة خبز وسط ركام. الفضلات ، لا مكان للمناورة أو المجاملة فالحياة والموت يفصل بينهما خيط رفيع ، والمعاناة حقيقية وملموسة لا تقبل التزييف هذا جانب من المشهد تتجلى فيه حياة المواطن البسيط الدي أمنيته أن يعيش في وطنه حياة شريفة كريمة ، في الجانب الآخر من المشهد، تبرز الفنادق كرمز للطبقات النخبوية ، والقيادات السياسية ، والمؤثرين الذين يتحدثون باسم القضية ويمثلونها في المحافل الدولية . في ردهات الفنادق الفاخرة والقاعات المكيفة تصاغ البيانات السياسية وتُلقى الخطابات الحماسية التي تطالب الجماهير بالصبر والثبات ومواصلة التضحية . تعقد المؤتمرات الصحفية في ظل تدفق رغد العيش والأمن الشخصي ، مما يخلق حاجزاً نفسياً وبصرياً يحجب عن هذه النخب حقيقة الألم الإنساني الذي يعيشه المواطن .

أن أبعاد الفجوة وتداعياتها النفسية والسياسية ، العيش في رغد الفنادق بينما ينزف الوطن بسبب أزمة عميقة ذات أبعاد متعددة منها انفصال الوعي عن الواقع فحين يطول بقاء القادة في الرفاهية المبالغ بها بسبب الفساد ، تضعف قدرتهم على تقدير حجم المعاناة الحقيقية الدي يعيشها الوطن والشعب والسيادة الوطنية والقرار الوطني المستقل والثروة الوطنية .

فتكون أزمة ثقة وخذلان تسبب تسلل الإحباط إلى نفوس المواطنين الدي من المفروض هم للدولة والاحزاب والمكونات السياسية الحاضنة الشعبية ، بالتالي تهتز شرعية القيادة .

عند ذلك بترسخ مفهوم ان النخبة السياسية من تسمى الشرعية والأحزاب والمكونات السياسية التابعة لها لا تجيد الا المتاجرة بالشعارات ، وهنا يتحول هذا المفهوم إلى أداة نقد لاذعة ضد من يوصفون بـسياسين الوجاهة ، الذين يستثمرون صبر وعدابات وتضحيات المواطن في الداخل على مثلث الفقر والمرض والموت لتحقيق مكاسب شخصية أو سياسية، دون أن يقدموا تضحية تذكر في المقابل .

من قراءة المشهد السياسي لسلطة ماتسمى بالشرعية يتم التعرف على أخلاقيات هذه القيادة من خلال التجارب اليومية فيصبح جزء من داكرة التاريخ .

وعبر التاريخ ، لم تخلد الذاكرة الإنسانية القادة الذين أداروا أوطانهم ، من قصورهم أو عواصم لجوئهم بعد أن قدموا أوطانهم على طبق من فضة لاسيادهم لتأكيد ولاءهم وعمالتهم .

إن عبارت رفاهية الفنادق وأنين المواطن ليست مجرد تلاعب بالألفاظ أو مقاربة بلاغية ، بل هي صرخة ضمير تعبر عن الجرح الغائر في خاصرة القضايا العادلة . إنها تذكير دائم بأن الانتصار لا يصنعه التنعم في صالونات السياسة ، بل يصنعه الصبر على الحلو والمر مع المواطن في احضان الوطن . وحتى تستقيم موازين العدالة ، سيبقى التاريخ يحاكم أولئك الذين فضلوا سلامة الفنادق على تضحيات العيش في الواقع ، مؤكداً أن من يكتب التاريخ بحبر الرفاهية لن يتساوى أبداً مع من يكتبه بالعطاء والتضحية لبناء وطن حر متطور ، وحياة كريمة شريفة للمواطن ، وعدم التفريط بالسيادة الوطنية والقرار الوطني المستقل والثروة الوطنية .


عبدالكريم الدالي