آخر تحديث :الثلاثاء-06 أكتوبر 2026-01:32ص

مدرسة سعد.. سفينة النجاة في بحرٍ متلاطم

الإثنين - 05 أكتوبر 2026 - الساعة 10:41 م
عبدالرحيم المحوري


إن مدرسة سعد بإدارتها الحكيمة، لجديرة بكل احترام وتقدير وتكريم، لمن كان له قلب يعقل به أهمية التعليم ويسعى لإنصاف أهله.

هي من أكبر المدارس مساحة وعدداً، وهي المدرسة الوحيدة التي تظل أبوابها مفتوحة على مصراعيها دون حراسة، في بيئة مكتظة بالسكان، وفي زمنٍ أصبحت فيه البلطجة سلوكاً يومياً، وباتت سمةً من سمات العصر التي تمنح صاحبها - للأسف - الهيبة والثناء في زمنٍ انقلبت فيه الموازين وانعكست فيه القيم.

ومع كل ذلك، فمدرسة سعد هي المدرسة التي لم يُسمع عنها يوماً سوء أخلاق طلابها، رغم ازدحامها بكل الأجناس والأعراق. وهي من المدارس النادرة التي تحتضن بين جنباتها كل أطياف المجتمع الجنوبي وغيرهم من نازحي الشمال، فكانت بحق مجتمعا ابينيا مصغراً. وما ذلك إلا لأن في سعد إدارةً تراقب وتتابع في صمت وحكمة، دون أن تُشعر أحداً برقابتها، تتواصل مع الجميع، ولا تدع شاردة ولا واردة تمر مرور الكرام. لذلك لن تجد في سعد إلا براءة الطفولة وشقاوتها المحببة، وإن كان الطلاب كباراً في أجسادهم، فهم بعيدون كل البعد عن سوء الأدب والخلق.


وما يميز هذه الإدارة أنها تتعامل بنفسها ولنفسها، فلا تُشغل المعلم إلا بما يخص حصصه ورسالته السامية، حتى لا يتشتت عن أداء واجبه المقدس. فهي تتحمل وحدها الأثقال والأحمال، لتُسيّر سفينة البدو - كما يُطلق عليها - وتواصل بها الطريق لتصل بمن تحملهم إلى شاطئ الأمان.


لا نريد الخوض في تفاصيل مدارس أخرى، ولن نكشف خفايا الأمور والقضايا التي وقعت فيها، فليس ذلك من شأننا ولا هو هدفنا. وإنما نقولها كلمة حق: إن هناك إدارات تحتاج إلى تكريم وتشجيع، لا إلى محاربة وتهميش، تحتاج إلى زيارة وثناء ومد يد العون، لا إلى القطيعة والجفاء.


إذا كان التوجيه التربوي ينزل إلى المدارس بعد فترات متباعدة، فإن سعد معها رقابة ذاتية يومية لا تفارقها لحظة، تراقب الصفوف أولاً بأول، وتتابع العمل بدقة متناهية. ولو كانت مدرسة أخرى لما قبلت بهذه الرقابة اللصيقة، خوفاً من أن تصبح سوطاً مسلطاً عليها يكشف عيوبها. لذلك تُغلق بعض المدارس أبوابها، ولا يعلم أحد ما يدور في داخلها، أما سعد فأبوابها مفتوحة لكل من أراد الدخول، لينظر كيف يسير العمل دون خوف ولا وجل، بكل شفافية ونزاهة.


وموقف واحد يلخص إنسانية هذه المدرسة: عندما رأت الإدارة عشرات من أمهات الطلاب يجلسن خلف السور الخارجي في طريق المارة، رغم أن المدرسة لم تطلب حضورهن، وإنما حضرن بدافع الخوف والشفقة على أطفالهن الصغار من مخاطر الطريق، لم تمنعهن الإدارة ولم تزجرهن. لأن سعد ليست مجرد جدران وألواح وسبورة، بل هي كيان أكبر من ذلك، هي مجتمع متكامل يراعي كل الجوانب النفسية والعقلية للطالب، ويُشعر الطفل الصغير أن البيئة آمنة وموفرة للتعليم، ليباشر تعلمه وهو مطمئن البال، قرير العين.


إن سعد هي كالجمل الهائج في صحراء مترامية، لا تحتاج إلى أي شخص عابر، بل تحتاج إلى جَمّال بارع، خبير في ترويض الوحوش الكاسرة، يعرف كيف يتعامل مع الذئاب التي إن عوت واستوحشت أكلت الأخضر واليابس. ولا عجب في ذلك، فهذا الحي وحده قد قدم في السنوات القليلة الماضية أكثر من 147 شهيداً، وهو مجرد حي وليس مدينة، فكيف لا تكون مهمة قيادته صعبة وعظيمة؟


فسلامٌ على سعد، إدارة ومعلمين وطلاباً، وسلامٌ على كل يدٍ تبني جيلاً، وتزرع أملاً، في زمنٍ عزّ فيه البناء.