آخر تحديث :الثلاثاء-06 أكتوبر 2026-01:32ص

في يومه العالمي.. المعلم اليمني بين قسوة المعيشة وقداسة الرسالة

الإثنين - 05 أكتوبر 2026 - الساعة 10:19 م
صديق الطيار


في الخامس من أكتوبر، يحتفي العالم بالمعلم باعتباره الحجر الأساس في بناء الإنسان والدولة والمجتمع. لكن في اليمن تبدو المناسبة أقرب إلى اختبار حقيقي لمكانة التعليم في بلد أنهكته سنوات الحرب والانقسام والأزمة الاقتصادية، فيما وجد المعلم نفسه في مواجهة معيشية ومهنية مفتوحة، من دون أن تتراجع عنه مسؤولية الوقوف أمام الطلاب كل صباح.

وراء السبورة، يقف معلم يحمل أكثر من كتاب ومنهج، يحمل أعباء أسرة، وتكاليف معيشة تتصاعد، وقلقاً على مستقبل مهنته، وفي الوقت نفسه مطالب بأن يمنح طلابه الثقة والأمل والمعرفة.

وبينما تتحدث المؤسسات عن أهمية التعليم، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف يمكن بناء تعليم مستقر بمعلم يعيش هو نفسه حالة من عدم الاستقرار؟

معركة يومية خلف السبورة

لم تعد أزمة المعلم اليمني مرتبطة بالراتب وحده، رغم أن الدخل وانتظامه يمثلان جوهر المشكلة المعيشية. فقد أدت سنوات الأزمة إلى تراجع القدرة الشرائية واتساع الفجوة بين دخل المعلم ومتطلبات الحياة، الأمر الذي دفع بعض المعلمين إلى البحث عن أعمال إضافية لتأمين احتياجات أسرهم.

وفي مناطق مختلفة، تباينت أوضاع المعلمين تبعاً للظروف الاقتصادية والإدارية، بينما ظل قطاع التعليم يتحمل تداعيات الانقسام وتراجع الموارد.

وفي مدارس كثيرة، تتزامن هذه التحديات مع نقص الوسائل التعليمية، واكتظاظ الفصول، وتراجع بعض البنية التحتية، ما يجعل مهمة المعلم أكثر تعقيداً.

لكن الأخطر أن استمرار هذه الضغوط لا ينعكس على المعلم وحده، بل ينتقل مباشرة إلى الطالب والفصل والمدرسة، وبالتالي إلى جودة التعليم ومخرجاته.

معلم بأدوار تتجاوز التدريب

في بيئة اجتماعية واقتصادية مضطربة، لم يعد المعلم مجرد ناقل للمعرفة. فهو يتعامل يومياً مع طلاب تأثروا بالفقر والنزوح والاضطرابات الأسرية والنفسية، ويجد نفسه في كثير من الأحيان مطالباً بأدوار تربوية وإنسانية تتجاوز إمكاناته الوظيفية.

وهذا يضع التعليم أمام معادلة صعبة: كلما ازدادت الأزمات التي تحيط بالطفل، ازدادت حاجته إلى مدرسة مستقرة ومعلم مؤهل وقادر على التعامل مع احتياجاته، بينما يواجه المعلم نفسه ضغوطاً قد تحد من قدرته على أداء هذه المهمة.

من هنا، فإن الحديث عن جودة التعليم لا يمكن فصله عن الحديث عن جودة حياة المعلم واستقراره المهني.

أزمة التعليم تبدأ من هنا

قد تبدو معالجة أوضاع المعلمين مسألة مالية في ظاهرها، لكنها في جوهرها قضية تتصل بالأمن الاجتماعي ومستقبل الدولة. فالمعلم المستقر هو شرط أساسي لمدرسة مستقرة، والمدرسة المستقرة هي إحدى أهم أدوات حماية الأجيال من التسرب والجهل والتهميش.

ولهذا، فإن إصلاح التعليم في اليمن يحتاج إلى رؤية تتجاوز الحلول المؤقتة، تبدأ بضمان انتظام المستحقات وتحسين الأجور، ولا تنتهي عند التدريب والتأهيل وتطوير بيئة العمل وإعادة الاعتبار للمسار الوظيفي للمعلم.

كما أن توحيد الجهود التعليمية وتقليص آثار الانقسام الإداري والمالي يمثلان جزءاً من المعالجة المطلوبة، بما يضمن قدراً أكبر من الاستقرار والعدالة في التعامل مع الكادر التعليمي.

المعلم.. الاستثمار الذي لا يحتمل التأجيل

المفارقة أن اليمن يحتاج اليوم إلى التعليم أكثر من أي وقت مضى، لكنه في الوقت نفسه يواجه صعوبة في توفير البيئة التي تمكن المعلم من أداء رسالته.

وبين الحاجة المتزايدة إلى بناء الإنسان والموارد المحدودة التي تواجه قطاع التعليم، يصبح الاستثمار في المعلم خياراً استراتيجياً لا ترفاً مؤجلاً.

فكل معلم يغادر المهنة بحثاً عن مصدر دخل أكثر استقراراً يمثل خسارة للمدرسة، وكل عام يمر من دون معالجة حقيقية لأوضاع المعلمين يترك أثراً على مستوى التحصيل وعلى مستقبل جيل كامل.

وفي اليوم العالمي للمعلم، لا تبدو القضية في اليمن مجرد مناسبة لتقديم عبارات الشكر، بل فرصة لإعادة تعريف الأولويات: إذا كان المعلم هو من يصنع الطبيب والمهندس والقاضي والصحفي والجندي، فمن يصنع البيئة التي تحمي المعلم نفسه؟

السؤال ليس احتفالياً، بل سؤال يتعلق بمستقبل التعليم، وبالتالي بمستقبل اليمن كله.

فلا يمكن بناء مدرسة قوية بمعلم منهك، ولا يمكن صناعة جيل قادر على النهوض ببلده من خلال منظومة تعليمية تترك معلمها وحيداً في مواجهة أعباء الحياة.

وفي بلد يبحث عن طريق للخروج من أزماته، قد يكون إصلاح التعليم أحد أهم الطرق، لكن بداية الطريق تظل واضحة: إعادة الاعتبار للمعلم، وتأمين حياة مهنية كريمة له، لأن إنقاذ التعليم يبدأ من حيث يقف المعلم كل صباح: أمام السبورة.