سمية الفقيه
طيلة سنوات الحرب، ظل الحوثي يصنع عن نفسه صورة من القوة التي لا تُقهر، والمقاتل الذي لا يتراجع، والجيش الذي لا ينكسر، فيما جاء استرجاع المخا كي يكسر هذه الصورة "الفزاعة الجوفاء"، وكان امتحانًا ودليلا لهشاشة هذه الفزاعة، وقال الميدان شيئًا آخر
استُعيدت المخا بسواعد الرجال، وسقطت معها كثير من الأوهام التي حاول الحوثي أن يبني عليها هيبته. فالذين قاتلوا على الأرض لم يواجهوا أسطورة، لكنهم واجهوا مقاتلين يمكن كسر اندفاعهم، واستعادة الأرض منهم، ودفعهم إلى التراجع.
وهنا تكمن أهمية المخا. فالحوثي لم يكن يومًا قوة خارقة كما أراد أن يبدو، لكن قوته الحقيقية كانت في الفوضى التي صنعتها الحرب، وفي الخوف الذي زرعه في نفوس الناس البسطاء، وفي الانقسام الذي جعل اليمنيين يرون بعضهم بعضًا خصومًا وأعداء بدل أن يروا الخطر الذي يهدد دولتهم جميعًا.
أما حين يقف الرجال في جبهة واحدة، وحين تتحول الإرادة إلى فعل، وحين يصبح تحرير الأرض هدفًا يتقدم على الحسابات الصغيرة، فإن صورة الفزاعة تبدأ في التكسر السقوط.
المخا مدينة ذات موقع استراتيجي بالغ الحساسية، على بوابة البحر الأحمر وبالقرب من باب المندب، لم تعد شاهدًا على تمدد الحوثي فقط، بل أصبحت شاهدًا على إمكانية كسر هذا التمدد واستعادة الأرض.
فليس صحيحًا أن الحوثي قدرٌ لا يُهزم، وليس صحيحًا أن ما أخذه بالسلاح سيبقى له إلى الأبد، وليس صحيحًا أن الجمهورية فقدت قدرتها على استعادة نفسها.
الجمهورية كانت هناك، في الرجال الذين تقدموا، وفي المقاتلين الذين لم يسمحوا للخوف أن يكون صاحب الكلمة الأخيرة، وفي كل يد حملت سلاحها دفاعًا عن الأرض، وفي كل قلب ظل يؤمن بأن اليمن لا يمكن أن يكون رهينة لمشروع مليشاوي.
المخا تقول إن القوة ليست في اقتحام مدينة، إنما في القدرة على الصمود حين يشتد القتال، وفي القدرة على استعادة المبادرة حين يظن الآخرون أن المعركة انتهت.
وتقول أيضًا إن المعركة الحقيقية ليست بين مدينة ومليشيا فقط، بل بين مشروع دولة ومشروع سلاح، بين جمهورية تريد أن تستعيد مؤسساتها، ومشروع يريد أن يجعل المليشيا بديلًا عن الدولة.
ولهذا فإن استعادة المخا هي بكل المقاييس ثقة بأن اليمنيين يستطيعون استعادة الدولة،
وثقة بأن الأرض التي أُخذت بالقوة يمكن أن تعود بالقوة المنظمة والإرادة الصلبة، وثقة بأن فجر الجمهورية، مهما تأخر، لم ينطفئ.
من المخا إلى تعز، ومن الساحل إلى قلب اليمن، تظل الحقيقة واحدة، وهي أنه حين تتوحد الإرادة، لا تبقى المليشيا أسطورة.
وحين يتحرك الرجال، لا تبقى الأرض مستحيلة، وحين تستعيد الجمهورية ثقتها بنفسها، فإن الطريق إلى الدولة يبدأ من جديد.
نعم، المخا عادت، وبثت رسالة مفادها، أن اليمن يستطيع أن يستعيد أرضه، وأن الجمهورية تستطيع أن تستعيد دولتها، وأن الفجر الذي تأخر طويلًا لم يغب، وإنما كان ينتظر الرجال.
وسيعود اليمن لليمن وتشرق شمس الدولة والجمهورية والحرية على كل مدنه بلا بندقية واستبداد فوق رأسه بإذن الله.