المعركة الدائرة اليوم ليست مجرد صراع على مواقع وجبهات، وإنما مواجهة مفتوحة مع مشروع الانقلاب الذي يحاول اخضاع اليمنيين لرؤيته بقوة السلاح. وقد جاء خطاب فخامة الرئيس واعلانه البدء في تنفيذ العمليات العسكرية ضد جماعة الحوثي وإنهاء الانقلاب واستعادة الدولة ومؤسساتها، ليضع التطورات الميدانية في إطارها السياسي الواضح، ويؤكد أن المعركة انتقلت من الدفاع الى فعل عسكري يستهدف كسر الانقلاب وإنهاء قدرته على الاستمرار.
وما تحققه القوات المسلحة والقوات المساندة لها، وفي مقدمتها درع الوطن والعمالقة، لا يقاس فقط بحجم المواقع التي تتقدم اليها، وإنما بما تفرضه هذه التحركات من تراجع في قدرة الحوثيين على المناورة والحشد والتمسك بمواقعهم. فالمشهد الميداني يعكس تحولاً واضحاً في مسار المعركة، مع استهداف مصادر قوة الحوثيين، وتقييد حركتهم، وفتح اكثر من جبهة أمامهم، بما يضعهم تحت ضغط متزامن يصعب احتواؤه.
ومن هنا تكتسب الانتصارات الميدانية معناها الاوسع؛ فهي لا تنتزع مواقع من يد المليشيا فحسب، بل تكشف هشاشة الاساس الذي اقامت عليه مشروعها الانقلابي. فكل تقدم للقوات على الأرض يضيق هامش الحركة امام الحوثيين، ويبدد الصورة التي حاولوا تكريسها عن سيطرتهم كحقيقة سياسية وعسكرية ثابتة، بينما تتحول الهزائم المتتالية الى عامل يستنزف قدرتهم على الصمود ويقوض مشروعهم من الداخل.
المطلوب اليوم هو الحفاظ على زخم المعركة وعدم منح الحوثيين فرصة لالتقاط الانفاس او إعادة ترتيب صفوفهم. فالمعركة التي تدار بإرادة متماسكة، وتتحرك فيها القوات على اكثر من محور، قادرة على تحويل التقدم الميداني الى مسار متصاعد يستنزف قدرة الانقلاب على الصمود، ويفتح الطريق امام إنهائه عسكرياً وسياسياً. فكل تأخير يمنح المليشيا مساحة لإعادة التموضع، بينما استمرار الضغط يحرمها من استعادة زمام المبادرة.
إنها معركة سلاح وإرادة ووعي في وقت واحد؛ تستهدف القدرة العسكرية للمليشيا، وتكشف في الوقت نفسه هشاشة المشروع الذي يحاول اخضاع اليمنيين لمنطق القوة والسلالة. وخطاب الرئيس، بما حمله من وضوح في تحديد هدف المعركة، لا يمثل مجرد إعلان عسكري، بل يؤسس لمرحلة سياسية جديدة يصبح فيها إنهاء الانقلاب هدفاً مباشراً، واستعادة الدولة مشروعاً عملياً لا شعاراً مؤجلاً. فلا يمكن بناء مستقبل اليمن على الانقلاب، ولا يمكن أن تكون المليشيا المسلحة بديلاً عن الدولة او وسيلة لإخضاع شعب بأكمله لمشروع احادي.
وهزائم الحوثيين اليوم تتجاوز خسارة المواقع الى انكشاف حقيقة مشروعهم الكهنوتي الذي حملوه الى اليمن؛ مشروع يقوم على القوة والبطش والتمييز السلالي وإقصاء الآخرين. ومع استمرار المعركة وتقدم القوات، تتراجع قدرة هذا المشروع على الصمود، وتقترب لحظة سقوطه امام إرادة اليمنيين في دولة مدنية حديثة، ومواطنة متساوية، وشراكة سياسية. فالمعركة في جوهرها ليست لاستعادة الارض فحسب، بل لتحرير الدولة من الانقلاب، وفتح الطريق امام يمن اتحادي يتسع لجميع أبنائه، ولا مكان فيه لمشروع كهنوتي يحكم بقوة السلاح.