جاء تصريح القيادي الحوثي محمد البخيتي، عبر قناة «العربي»، بإعلان استعداد جماعته لوقف إطلاق النار بصورة دائمة في الجبهات الداخلية، والدخول في حوار سياسي شامل على طاولة مستديرة تستوعب مختلف الأطراف اليمنية، بالتزامن مع حديثه عن استعداد الجماعة لإنهاء الحرب مع السعودية ورفع الحصار من الجانبين.
أهمية هذا التصريح لا تكمن في مضمونه فقط، وإنما في توقيته؛ فقد جاء مباشرة بعد إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي الانتقال من مرحلة الاستعداد والتهيئة إلى مرحلة العمليات العسكرية لاستعادة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بعد ما وصفه باستنفاد فرص التهدئة.
وهنا تبرز أمامنا قراءة سياسية مهمة: هل يمثل تصريح البخيتي تحولاً حقيقياً نحو تسوية سياسية، أم أنه محاولة لفتح مسار تفاوضي بالتوازي مع التصعيد العسكري؟
لا يمكن الجزم بالإجابة في هذه المرحلة، لكن اللافت أن الخطاب الحوثي جمع بين ثلاثة مسارات في وقت واحد: وقف الحرب في الجبهات الداخلية، الحوار السياسي الشامل، وفتح مسار تفاوضي مع السعودية. وهذا يعني أن الجماعة تحاول تقديم تصور متكامل للتعامل مع المستويين الداخلي والإقليمي للصراع.
وفي المقابل، فإن إعلان القيادة الشرعية بدء العمليات العسكرية يضع الحوثيين أمام واقع ميداني جديد، ولذلك فإن قيمة أي عرض للسلام ستقاس بمدى تحوله إلى إجراءات عملية، وليس بمجرد التصريحات الإعلامية.
ومن وجهة نظري، فإن اللحظة الحالية تستدعي عدم إغلاق الباب أمام أي فرصة حقيقية لوقف الحرب. فالعمل العسكري والسياسي ليسا بالضرورة مسارين متناقضين؛ إذ يمكن أن يؤدي الضغط العسكري إلى إعادة تشكيل شروط التفاوض، كما يمكن للمسار السياسي الجاد أن يوقف نزيف الدم ويمنع اتساع دائرة المواجهة.
لكن الحوار المطلوب هذه المرة ينبغي ألا يكون مجرد عودة إلى ترتيبات مؤقتة، بل حواراً يمنح جميع الأطراف اليمنية فرصة حقيقية لبحث مستقبل الدولة، وشكل النظام السياسي، والقضايا الوطنية العالقة، وضمانات المشاركة، والترتيبات الأمنية والعسكرية، وعلاقة اليمن بمحيطه الإقليمي.
كما أن الحديث عن إنهاء الحرب بين الحوثيين والسعودية ورفع الحصار من الجانبين يفتح الباب أمام معالجة البعد الإقليمي للصراع بالتوازي مع المسار اليمني الداخلي، وهو أمر لا يمكن فصله عن أي تسوية شاملة.
الخلاصة:
تصريح البخيتي يستحق التوقف عنده، لكنه لا يكفي وحده للحكم على وجود تحول استراتيجي. الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تتحول الدعوة إلى وقف إطلاق النار إلى التزام معلن وقابل للتحقق، وتتحول الدعوة إلى الحوار إلى خطوات عملية تجمع مختلف القوى والمكونات اليمنية.
وفي ظل التصعيد العسكري الجاري، فإن أفضل ما يمكن فعله هو اختبار جدية هذا العرض عبر وقف فعلي لإطلاق النار، وفتح قنوات تفاوض، ووضع جدول واضح للحوار وضماناته.
فاليمن لا يحتاج إلى تصريح جديد عن السلام بقدر ما يحتاج إلى خطوة عملية تثبت أن السلام أصبح خياراً سياسياً قابلاً للتنفيذ..