آخر تحديث :الجمعة-30 أكتوبر 2026-10:11ص

هل آن للحرب في اليمن أن يضع أوزاره؟

الأحد - 04 أكتوبر 2026 - الساعة 04:57 م
علوي سلمان


سؤال لم يعد يحتمل التأجيل، ولا يحتاج إلى كثير من الفلسفة السياسية حتى يدرك المرء حجم المأساة التي يعيشها اليمنيون. فالحرب التي بدأت ذات يوم تحت عناوين سياسية وعسكرية مختلفة، تحولت مع مرور السنوات إلى طاحونة بشرية واقتصادية واجتماعية، يأكل نارها المواطن قبل أن تصل إلى خصمه.

لقد طال أمد الحرب حتى أصبح اليمني يسأل نفسه: ماذا بقي لنا من وطننا؟ ماذا بقي من القرية التي كانت تجمع أهلها مساءً حول موقد واحد؟ ماذا بقي من المدرسة التي كان الطفل يذهب إليها حاملاً حقيبته وأحلامه؟ ماذا بقي من المزرعة التي كانت مصدر رزق الأسرة؟ وماذا بقي من الأسواق والطرقات والمستشفيات والمصانع والمشروعات التي كان يفترض أن تصنع مستقبل هذا البلد؟

اليوم، ومع عودة التصعيد واتساع رقعة المواجهات في عدد من المناطق، يعود النزوح ليطرق أبواب اليمنيين من جديد. وتشير بيانات إنسانية حديثة إلى نزوح أكثر من 130 ألف شخص خلال موجة التصعيد الأخيرة، بينما اضطر آلاف اليمنيين إلى عبور البحر باتجاه جيبوتي بحثًا عن مكان أكثر أمنًا، في رحلة محفوفة بالمخاطر والموت.

لكن الأرقام، مهما كبرت، تبقى عاجزة عن وصف المأساة كاملة.

فالنازح ليس رقمًا في جدول إحصائي.

إنه أب ترك منزله، وأم حملت أطفالها ومضت إلى المجهول، وطفل ترك مدرسته، وامرأة فقدت زوجها، وشيخ ترك أرضه التي عاش فيها عشرات السنين.

إنه إنسان اقتُلع من حياته.

وهنا تتجلى المأساة اليمنية في أقسى صورها: أناس كانوا بالأمس يعيشون في بيوتهم، يزرعون أرضهم، يفتحون متاجرهم، يرسلون أبناءهم إلى المدارس، ويخططون لمستقبل أسرهم؛ فإذا بالحرب تأتي لتقتلع كل شيء في لحظة واحدة.

حرب لا يدفع ثمنها أصحاب القرار وحدهم

الأطراف المتصارعة تملك لكل حرب روايتها وأسبابها وأهدافها.

كل طرف يرى نفسه صاحب قضية، ويقدم تفسيره لما يجري، ويتحدث عن الأمن والسيادة والشرعية والمقاومة ومواجهة الخصوم والمصالح الوطنية.

لكن المواطن اليمني البسيط لا يعيش داخل البيانات السياسية.

هو يعيش داخل البيت الذي تهدمت جدرانه.

ويعيش في الطابور بحثًا عن الماء والخبز والدواء.

ويعيش في الطريق الذي يخشى أن يتحول إلى جبهة.

ويعيش في المدرسة التي قد تغلق أبوابها.

ويعيش في السوق الذي تراجعت فيه الحركة.

ويعيش في القلق على ابنه الذي ذهب إلى الجبهة.

وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا:

ماذا يستفيد المواطن اليمني من هذه الحرب؟

ماذا استفاد الفلاح الذي ترك أرضه؟

ماذا استفاد صاحب المتجر الذي خسر تجارته؟

ماذا استفاد الطالب الذي انقطعت دراسته؟

ماذا استفادت الأم التي فقدت ابنها؟

ماذا استفادت المرأة التي أصبحت أرملة تعيل أطفالًا صغارًا؟

وماذا استفاد الطفل الذي كبر وهو يسمع أصوات الرصاص بدل أن يسمع جرس المدرسة؟

الحرب قد تمنح الأطراف مكاسب سياسية أو عسكرية مؤقتة، وقد تغيّر مواقع السيطرة والنفوذ، لكنها بالنسبة للمواطن العادي لا تعني في كثير من الأحيان سوى المزيد من الخسارة.

شباب اليمن.. وقود النار

أكثر ما يوجع في هذه الحرب أن الشباب الذين كان يفترض أن يحملوا اليمن إلى المستقبل أصبحوا وقودًا للمعارك.

شاب في مقتبل العمر كان يمكن أن يكون مهندسًا أو طبيبًا أو معلمًا أو مزارعًا أو صحفيًا أو صاحب مشروع، لكنه يجد نفسه في أحد طرفي جبهة يحمل السلاح.

وفي الجهة الأخرى شاب آخر في العمر نفسه، له أم تنتظره وأب يفتخر به وزوجة تحلم بعودته وأطفال ينتظرون أن يحمل لهم شيئًا من السوق.

ثم تسقط الرصاصة.

وينتهي الحلم.

ولا يبقى سوى صورة معلقة على جدار، وأم تبكي، وزوجة تصبح أرملة، وأطفال يكبرون بلا أب.

هكذا تتسع دائرة الحزن.

جنازة تتبع جنازة، وبيت عزاء يجاور بيت عزاء، وأم تفقد ولدًا، وأسرة تفقد معيلها، وقرية تفقد واحدًا من أبنائها.

إنها حرب تستنزف أغلى ما يملك اليمن: الإنسان.

من البيت إلى المخيم

ليس كل من نجا من الرصاصة نجا من الحرب.

هناك من نجا بجسده لكنه فقد بيته.

وهناك من بقي حيًا لكنه فقد أرضه.

وهناك من خرج من منزله بثوب واحد، ولم يعد يعرف متى يستطيع العودة.

وفي مناطق من الساحل الغربي وتعز ولحج وغيرها، عاش ويعيش نازحون اضطروا إلى ترك مناطقهم تحت ضغط القتال والخوف.

خرجوا من بيوتهم بحثًا عن الأمان، لكن الأمان نفسه أصبح سلعة نادرة.

بعضهم يعيش في مخيمات تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة؛ لا ماء كافيًا، ولا غذاء منتظمًا، ولا دواء، ولا كهرباء، ولا ظروف مناسبة للأطفال والنساء وكبار السن.

وهناك من دفعته الحرب إلى البحر.

آلاف اليمنيين وصلوا إلى جيبوتي هربًا من جحيم القتال، بعد رحلات بحرية محفوفة بالمخاطر، ليجد بعضهم نفسه في مخيمات لا تشبه الحياة التي تركها خلفه.

يا لها من مفارقة مؤلمة!

كان يريد أن يهرب من الموت، فوجد نفسه يخوض البحر بحثًا عن الحياة.

كان يريد بيتًا آمنًا، فوجد خيمة.

كان يريد مدرسة لأطفاله، فوجد مخيمًا.

كان يريد دواءً وماءً وطعامًا، فأصبح ينتظر المساعدات.

اليمن يخسر أكثر من معركة

الحرب لا تدمر الجبهة وحدها.

إنها تدمر ما وراء الجبهة أيضًا.

تدمر الاقتصاد، وتستنزف الموارد، وتوقف الاستثمار، وتضرب الزراعة والتجارة، وتضعف التعليم والصحة، وتقطع الطرق، وتؤثر في الخدمات، وتدفع الناس إلى الفقر والنزوح والهجرة.

وكل عام من الحرب يعني عامًا آخر يضيع من عمر طفل يمني.

وقد لا نستطيع اليوم أن نحسب الخسارة الحقيقية التي ستظهر بعد عشر سنوات، عندما نكتشف أن جيلًا كاملًا عاش طفولته في الخوف، وشبابه في النزوح، وتعليمه في مدارس متقطعة، ومستقبله في بلد منهك.

إن أخطر ما تفعله الحرب أنها لا تقتل الحاضر فقط؛ إنها تسرق المستقبل.

من صنع كل هذا؟

السؤال مؤلم، لكنه ضروري.

من صنع هذه الحرب؟

ومن أشعلها؟

ومن أطال أمدها؟

ومن يدفع ثمنها؟

لا يمكن اختزال الإجابة في طرف واحد أو رواية واحدة؛ فالصراع اليمني تشابكت فيه عوامل سياسية وعسكرية ومحلية وإقليمية ودولية، وتداخلت فيه مصالح القوى المختلفة.

لكن المؤكد أن المواطن اليمني العادي ليس هو من قرر الحرب، ومع ذلك فهو الذي يدفع فاتورتها الأكبر.

هو الذي يفقد ابنه.

وهو الذي يترك منزله.

وهو الذي يغلق متجره.

وهو الذي تتعطل مزرعته.

وهو الذي يعجز عن تعليم أطفاله.

وهو الذي ينتظر الراتب.

وهو الذي يقف أمام المستشفى عاجزًا عن شراء الدواء.

وهذا هو الظلم الأكبر في كل حرب: أن يدفع ثمن القرار من لم يصنع القرار.

السلام ليس استسلامًا

وحين يُطرح السؤال عن السلام، يسارع البعض إلى اعتباره تنازلًا أو استسلامًا.

لكن السلام الحقيقي ليس استسلامًا لطرف، ولا انتصارًا لطرف آخر.

السلام هو أن يتوقف نزيف اليمن.

أن يعود النازح إلى منزله.

أن يعود الطفل إلى مدرسته.

أن يعود المزارع إلى أرضه.

أن يفتح التاجر متجره.

أن يجد الموظف راتبه.

أن يشعر المواطن بالأمان وهو يسافر من محافظة إلى أخرى.

وأن يصبح الخلاف السياسي خلافًا سياسيًا، لا سببًا للموت والاقتتال.

السلام ليس أن ينسى اليمنيون حقوقهم وقضاياهم، وإنما أن يجدوا طريقة لمعالجة خلافاتهم دون أن يدفع الأبناء حياتهم ثمنًا لها.

إلى متى؟

لقد تعب اليمن.

تعبت أمهات اليمن من انتظار أبنائهن.

وتعبت الزوجات من حمل مسؤولية الأسرة وحدهن.

وتعب الأطفال من النزوح.

وتعب المزارعون من ترك أراضيهم.

وتعب التجار من انهيار الأسواق.

وتعب الطلاب من اضطراب التعليم.

وتعبت المدن والقرى من أصوات الحرب.

وتعبت البلاد كلها من أن تصبح ساحتها مفتوحة لصراع لا ينتهي.

فإلى متى؟

كم بيتًا يجب أن يُهدم حتى ندرك أن البيت اليمني أغلى من أي مكسب عسكري؟

وكم شابًا يجب أن يسقط حتى ندرك أن شباب اليمن هم مستقبل اليمن؟

وكم طفلًا يجب أن يُحرم من المدرسة حتى نفهم أن التعليم لا يقل أهمية عن أي معركة؟

وكم أسرة يجب أن تنزح حتى يصبح النزوح جرس إنذار لا يمكن تجاهله؟

اليمن يستحق فرصة للحياة

ليس أمام اليمنيين ترف الاستمرار في انتظار حرب لا يعرف أحد متى تنتهي.

اليمن يحتاج إلى فرصة.

فرصة للسلام، وفرصة لإعادة البناء، وفرصة لاستعادة التعليم والصحة والاقتصاد، وفرصة لعودة النازحين، وفرصة لأن يعيش الإنسان اليمني حياة طبيعية مثل بقية شعوب العالم.

قد تختلف الأطراف في السياسة، وقد تتباين رؤاها حول شكل الدولة ومستقبلها، وقد تتصارع على السلطة والنفوذ، لكن هناك مساحة واسعة يمكن أن يجتمع فيها الجميع:

أن اليمن لا يحتمل مزيدًا من الدم.

وأن أطفال اليمن ليسوا وقودًا دائمًا للمعارك.

وأن المرأة اليمنية لا ينبغي أن تبقى أرملة بسبب صراع سياسي.

وأن النازح اليمني يستحق أن يعود إلى بيته.

وأن المزارع يستحق أن يزرع أرضه.

وأن الطالب يستحق أن يتعلم.

وأن المواطن يستحق أن يعيش آمنًا في وطنه.

لقد أخذت الحرب من اليمنيين كثيرًا.

أخذت أبناءهم، وبيوتهم، وأراضيهم، وأعمالهم، وأحلامهم، وأعوامًا طويلة من أعمارهم.

آن لليمن أن يستعيد ما تبقى.

آن لصوت العقل أن يرتفع فوق صوت الرصاص.

آن للسياسة أن تستعيد مكانها من فوهات البنادق.

آن لأن يتوقف اليمني عن سؤال نفسه: أين سأذهب إذا وصلت الحرب إلى بيتي؟

وأن يبدأ بالسؤال بدلًا من ذلك:

متى سأعود إلى بيتي؟

فاليمنيون لا يريدون أكثر من وطن يعيشون فيه بسلام، وبيوت يعودون إليها، ومدارس يذهب إليها أطفالهم، وأرض يزرعونها، وأعمال يمارسونها، ومستقبل يطمئنون إليه.

اليمن يستحق السلام، وأهله يستحقون أن يعيشوا حياة طبيعية وآمنة.

ولعل اللحظة التي يدرك فيها الجميع أن استمرار الحرب لن يعيد لليمن ما فقده، بل سيأخذ منه ما تبقى، تكون هي اللحظة التي يبدأ فيها اليمن طريقه الطويل من الحرب إلى السلام، ومن الخوف إلى الأمان، ومن النزوح إلى العودة، ومن المأساة إلى الحياة.