آخر تحديث :الأحد-04 أكتوبر 2026-04:47ص

فارس بني مجيد 5

الأحد - 04 أكتوبر 2026 - الساعة 02:03 ص
د. عوض احمد العلقمي


غضب مسؤول المحافظة غضبا شديدا ، وأطلق سيلا من الشتائم ، والألفاظ النابية ، وقال : لولا إن وقت زيارتي لكم قصير جدا ، لذهبت بنفسي إلى جبال بني مجيد ، ولأتيت بهذا الفارس المزعوم ، اقتاده من أذنه كالشاة . وهنا رد مدير أمن البلدة بالقول : لا تغضب سيدي ، فأنا سوف أكلف من أفراد أمننا الشجعان ، من يتابع أخباره ، ويترصد له حتى يقع في أيدينا . اسمع يا مدير نريد حسم الأمر في أقرب وقت ممكن ، قبل أن تقوى شوكته ، ويكثر أنصاره ، قال المدير : أمرك سيدي ، ولكنك لا تعرف شجاعة هذا الفارس ، وقدراته القتالية ، وفنونه الاحترافية ، في اليقظة وسرعة التعامل مع البندقية ، في الوقت الذي لا يوجد في أفرادنا ، من يتمتع بتلك القدرات ، والفنون القتالية . في هذه الأثناء صمت المسؤول قليلا ، ثم عاد يتحدث إلى المدير : أنا سوف أضع جائزة مالية مغرية ، قبل أن انطلق نحو المحافظة ، لمن يستطيع تتبعه من البدو الرحل ، ويعرف كوخه في تلك الجبال ، الذي يقيل ويمسي فيه ، وإذا ما تأكد لك ذلك جيدا ، أبلغني بوساطة جهاز اللاسلكي ، وأنا سأبعث إليك على الفور ، قائدا من قيادات أمن المحافظة ، الذين لا يهابون الموت ، يتولى قيادة المجموعة ، التي ستقوم بتنفيذ المهمة ، تفاجئ ذلك المتمرد في كوخه ، وتقتله شر قتلة ، قال المدير : هو ذاك سيدي ، وستجدني عند حسن ظنك .

وفي يوم صيفي ساخن ، شديد الرياح ، كانت أشجار نخيل ضاربة الفياح ، الطينية السامقة ، تارة يلتقين بسعفهن وأعذاقهن ، وأخرى بأجسامهن النحيفة ، الممدودة نحو السماء ، بفعل عاصفة الرياح ، وكأنهن أتراب من الصبايا ، يعبثن مع بعضهن . عند ذلك انطلقنا نحن الأطفال ، يحمل كل واحد منا وعاء ، مصنوعا من عزف النخيل ، نلتقط فيه حبيبات البلح ، التي لما تنضج بعد ، لكنها تتساقط بفعل الرياح القوية ؛ لنطعم أغنامنا منها .

لكن ما إن بدأنا الانتشار بين شجيرات النخيل ، حتى وقعت أعيننا على عشرة عساكر ، مدججين بالسلاح ، يركضون باتجاه سلسلة جبال بني مجيد ، تسمّرنا في أماكننا ، وأعيننا شاخصة نحو ظهورهم ، حتى اختفوا خلف التباب ، المؤدية إلى جبال بني مجيد ، ما جعلنا نعود نحو أمهاتنا خائفين ، حدثناهن بما رأينا ، فمنهن من لم تعر الأمر شيئا من الاهتمام ، ومنهن من قالت : ربما تأكد لهم وجود الفارس في مكان ما ، ويريدون الهجوم عليه .


كان الفارس يقضي قيلولته ، في صخرته ، المجوفة من الداخل ، ربة المدخل الواحد ، المستور بأغصان الأشجار ، الذي لا يستطيع الولوج منه ، إلا وظهره منحن . شكّل ثمانية من العساكر ، طوقا حول الصخرة ، بدائرة نصف قطرها مائة متر تقريبا ، وصعد القائد ، يرافقه واحد من العساكر سطح الصخرة ، ظانين أن الفارس يغط بهجعة القيلولة ، لكن الفارس شعر بحركتهم ، ورأى ظل أحدهم قد تسلل نحو تلك الأغصان ، التي تستر المدخل ، فصرخ بصوته ، من الذي على ظهر الصخرة ؟ في هذه الأثناء ، وثب القائد ، ومعه مرافقه حتى وقعا أمام مدخل الصخرة ، قائلا : ها نحن أمن البلدة أيها المتمرد ، وإذا بالفارس مصوّبا بندقيته نحوهما ، ويده على الزناد ، قال القائد : لماذا لم تسلم نفسك لإدارة أمن البلدة ؟ قال الفارس : وما عندي لأمن البلدة حتى أسلم نفسي ؟ قال القائد : انتهت أيام كنتم أسياد البلدة وحكامها ، واليوم يجب أن يحتكم الجميع للسلطة ، وكذلك يجب أن تعرف إدارة أمن البلدة ، كل صغيرة وكبيرة عن أي مواطن في هذه البلدة ، قال الفارس : لكنني أرعى إبلي وغنمي ، التي اقتات منها ، وأنفق على من أعول ، فكيف تطلب مني الذهاب كل يوم إلى إدارة الأمن ؟ قال القائد : يجب أن تثبت لإدارة أمن البلدة ، أنك مواطن صالح بحضورك اليومي ، وارتيادك لأسواق البلدة ، قال الفارس : خيرا إن شاء الله ، قال القائد : ولكن يجب أن ترافقنا الآن إلى إدارة الأمن ، قال الفارس : اذهب أنت الآن ، وأنا سوف أخصص لكم زيارة في الوقت المناسب ، وهنا صوّب القائد بندقيته نحو الفارس ، وأطلق النار ، وظل الفارس من جانبه يقاومهم ، واستمر إطلاق النار لأكثر من ساعة ، وتمكن الفارس من الخروج من بطن الصخرة ، ولم يكن يعلم أن حول الصخرة طوق آخر من العساكر ، وانهل الرصاص نحوه ، فأصيب إصابة قاتلة ، فأسند ظهره لصخرة ، وبندقيته مصوبة نحو العساكر ، الذين يطلقون النار عليه ، فظنوا أنه مازال بخير ، الأمر الذي جعلهم يخفون أنفسهم ، خلف الأحجار والأشجار حتى الساعة الثامنة ليلا ، عند ذلك فقط أدركوا أن الفارس قد فارق الحياة .


في هذه الأثناء تكتم مدير أمن البلدة على الجريمة ، وانطلق يعتقل كل من له صلة قرابة بالفارس ، أو ينتسب إلى قبيتله ، بعد أن طلب التعزيز من المحافظة عبر أثير اللاسلكي ، فعززوه بكتيبة من العساكر ، وصلت إلى البلدة في منتصف الليل ، وانتشرت حول جثمان الفارس ؛ لتمنع القوم من مواراة جثمانه في الثرى ، فضلا عن ذبح ثمانية من أقاربه ، ونسف منازلهم بالمتفجرات ، وبقي جثمان الفارس تحت الحراسة المشددة ، حتى أكلته الكلاب والوحوش .

وبعد مرور كثير من السنين ، التقيت بأحد أصدقاء الفارس ، فقال : لقد تحققت نبوءة الفارس ، قلت : كيف ؟ قال : لقد أسرّني ذات يوم ؛ إذ قال : أنا لن أموت ميتة طبيعية ، بل سوف يقتلني طغاة أمن البلدة ، ويمنعون مواراة جثماني في الثرى ، حتى تأكلني الكلاب والوحوش .