ليست معركة عابرة تلك التي تشهدها جبهات تعز اليوم. إنها فصل جديد من ملحمة عمرها أحد عشر عاماً كتبها الجيش الوطني والمقاومة الشعبية بدماء أبنائها ووقع عليها كل بيت وكل قرية وكل عزلة في هذه المحافظة التي أبت أن تنحني.
جاء الحوثي غازياً من كل حدب وصوب من كهوف مران وجبال ذمار وسهول عمران وأوديه حجة وصنعاء والمحويت وقرى اللواء الأخضر إب يظن أن تعز لقمة سائغة وأن حصارها وتجويعها وقصف أحيائها سيكسر إرادتها.فاصطدم بحقيقة لم يقرأها في كتب الإمامة: رجال تعز جبال فوق الجبال.
في المحور الشرقي والغربي والشمالي من مقبنة إلى الكدحة ومن الضباب إلى حيفان والقبيطة يقف المقاتل اليمني بسلاحه الخفيف وإيمانه الثقيل. لا يملك ترسانة المليشيا ولا دعمها الإيراني لكنه يملك ما لا تملكه: قضية عادلة وأرض يدافع عنها وكرامة لا يساوم عليها.
المعارك الأخيرة كشفت حجم الاستنزاف الحقيقي الذي تتعرض له المليشيا.مئات القتلى والجرحى في صفوفها كل يوم،هجمات فاشلة تتحطم على صخرة صمود أبناء تعز وانسحابات مذلة توثقها كاميرات الإعلام الحربي والمقاتلين أنفسهم.الحوثي يهاجم بأمواج بشرية والجيش والمقاومة وأبناء المدينة يتصدون بعقيدة الجمهورية.
وما يميز تعز ليس فقط بندقية الجندي في المتارس بل ذلك التلاحم المجتمعي الفريد خلفه.الفلاح الذي يحمل الماء والذخيرة والأم التي تزغرد لابنها وهو ذاهب للجبهة والطفل الذي يرفع علم الجمهورية فوق منزله المحاصر والمعلم الذي ترك مدرسته ليقود معركة الوطن الأولى تعز كلهم في خندق واحد. وهذا ما أفشل رهان الحوثي على أن تكون تعز بيئة حاضنة لمشروعه الطائفي. هذه المدينة جمهورية بالفطرة ولا مكان فيها للإمامة.
لقد حاولت آلة الدعاية الحوثية أن تصور تعز منهارة وأن جبهاتها ساقطة فجاء الرد من الميدان.مقاطع موثقة وصور وتصريحات من خط النار، يروي فيها المقاتلون قصص بطولتهم بلهجة تعزية بسيطة وصادقة لا تحتاج إلى مونتاج. قصص تثبت أن القوة العسكرية وحدها لا تستطيع كسر إرادة مجتمع قرر أن يدافع عن أرضه.
اليوم ورغم القصف المستمر للأحياء السكنية وقطع الطرقات ومعاناة المدنيين تقول تعز كلمتها بوضوح: لن نعود إلى الوراء. صمودها ليس دفاعاً عن محافظة بل دفاع عن اليمن كله عن هويته عن دولته عن حلم ملايين اليمنيين في وطن آمن ومستقر.
تعز تقاتل نيابة عن الجمهورية وستظل حاضرة في معركة استعادة الدولة حتى يرفع علم اليمن فوق كل جبل ..