آخر تحديث :الأحد-04 أكتوبر 2026-01:33ص

أغرب ما في المشهد اليمني اليوم أن كل شيء يوحي بأننا نقترب من معركة كبيرة، بينما لا توجد معركة كبيرة بعد.

السبت - 03 أكتوبر 2026 - الساعة 10:42 م
محمد خالد الحسيني



الجبهات لم تنكسر، وميزان القوى لم ينقلب، وتعز لا تزال تحت الضغط الحوثي، والقوات الحكومية لم تستعد بعد زمام المبادرة.


ومع ذلك، عاد الطيران، وارتفعت الجاهزية، وتحركت القيادات، وتغيرت نبرة الرسائل العسكرية، فيما تدرس الرياض خيارات جديدة، وتعيد واشنطن إدخال اليمن والبحر الأحمر إلى صلب حساباتها.


بمعنى آخر: الميدان لم يبدأ التحول، لكن مقدمات التحول بدأت تظهر، وهذه، في تقديري، هي المفارقة التي تجعل المشهد الحالي جديراً بالقراءة، لا باعتباره مجرد تصعيد عسكري جديد، وإنما باعتباره لحظة تتراكم فيها مؤشرات قد تقود إلى شيء أكبر.


حتى الآن، لا يمكن القول إن ساعة الصفر قد بدأت، ولا توجد معطيات كافية للحديث عن معركة شاملة أصبحت أمراً واقعاً.


لكن سيكون من الخطأ أيضاً التعامل مع ما يجري باعتباره مجرد سلسلة من التطورات المنفصلة.


فالطيران عاد بقوة إلى المشهد، وتصاعدت الغارات على مواقع حوثية في صنعاء وتعز، بالتزامن مع تحركات عسكرية لافتة، من عودة أبو زرعة المحرمي إلى عدن، إلى تحركات طارق صالح، ورسالة رفع الجاهزية التي وجهها إلى القوات المسلحة اليمنية، ودعوته إلى الاستعداد لتلقي الأوامر.


وهنا تحديداً يبدأ السؤال: ماذا يعني أن يخاطب طارق صالح القوات المسلحة اليمنية بهذا الشكل وفي هذا التوقيت؟


هذه المرة لا تتجه الرسالة إلى المقاومة الوطنية أو حراس الجمهورية وحدهم، وإنما إلى القوات المسلحة اليمنية بمفهومها الأوسع.


وهذا لا يثبت أن قرار المعركة قد اتخذ، لكنه يفتح باباً مهماً للتساؤل حول ما إذا كانت هناك ترتيبات جديدة يجري إعدادها للقوات والقيادات والأدوار.


هل نحن أمام رفع للجاهزية فحسب؟ أم أمام إعادة ترتيب لمسرح العمليات استعداداً لمرحلة مختلفة؟


لا نملك الإجابة بعد، ولا ينبغي أن نسبق الأحداث، لكن تقرير رويترز يضيف إلى الصورة تطوراً أكثر أهمية.


فقد نقلت الوكالة عن ستة مصادر مطلعة أن السعودية تدرس خيارات لعملية عسكرية ضد الحوثيين، تتراوح بين تحرك محدود حول باب المندب وتأمين الملاحة في البحر الأحمر، وبين عملية أوسع على جبهات متعددة، بينها تعز ومأرب والبيضاء والجوف، مع احتمال مشاركة أكثر من 100 ألف مقاتل يمني بحسب حجم العملية.


وهنا يجب الفصل بين أمرين: الخطة ليست المعركة، والاستعداد ليس قرار الحرب، فالتقرير يتحدث عن خيارات قيد الدراسة، وليس عن عملية بدأت فعلاً، كما لم يقدم موعداً مؤكداً لانطلاقها.


وهذه نقطة مهمة حتى لا يتحول الحديث عن الاحتمالات إلى حقيقة إعلامية تسبق الميدان،

لكن مجرد بحث هذه الخيارات، بالتزامن مع التصعيد والتحركات العسكرية، يكفي لطرح أسئلة تتجاوز حدود الجبهة نفسها.


فالملف اليمني يتحرك داخل سياق إقليمي أوسع، عنوانه أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية والصراع المتصاعد في المنطقة.


وفي واشنطن، عقد كبار مسؤولي الأمن القومي في إدارة الرئيس ترامب اجتماعاً مغلقاً في كامب ديفيد تناول، بحسب مصادر أمريكية، الحرب مع إيران والصراع السعودي-الحوثي في اليمن.


هل ترتبط هذه المسارات ببعضها؟

من المبكر الجزم، لكن من الصعب أيضاً تجاهل تزامنها، وهنا يصبح السؤال الذي يعنيني أكثر من سؤال: ماذا تريد السعودية؟ أو ماذا تريد واشنطن؟ أو حتى من سيقود المعركة المقبلة؟

هو ماذا تريد اليمن؟


إذا كانت هناك مرحلة عسكرية جديدة يجري الإعداد لها، فهل ستعيد للقوات المسلحة اليمنية زمام المبادرة، وتوحد القرار العسكري والسياسي، وتفتح الطريق أمام استعادة الدولة ومؤسساتها وسيادتها؟


أم أن اليمن سيكون مجرد ساحة لتنفيذ أولويات إقليمية ودولية، في مقدمتها حماية البحر الأحمر والممرات البحرية؟ الفرق بين الأمرين هائل.


اليمن بحاجة إلى الدعم الخارجي، ولا أحد يقلل من أهميته، لكن الدعم لا يصنع وحده قراراً وطنياً، المطلوب قيادة تعرف هدفها، وقوات تعرف مهمتها، وجبهات تعمل ضمن رؤية واحدة، ومؤسسات قادرة على تحويل أي دعم خارجي إلى قدرة يمنية مستدامة.


فالناس لم تعد تنتظر البيانات .. المواطن يريد أن يرى الدولة في حياته، النازح يريد أمناً، أبو الشهيد يريد أن يعرف أن دم ابنه لم يذهب سدى، أخو الجريح يريد من يقف إلى جانبه، وأم المفقود تريد إجابة.


ولهذا فإن الاختبار الحقيقي لأي تحرك مقبل لن يكون في عدد الغارات، ولا في حجم القوات التي يمكن حشدها، وإنما في سؤال أكثر عمقاً: من يملك القرار، وإلى أين يريد أن يقود اليمن؟

فاليمن لا يحتاج إلى معركة جديدة لمجرد خوض معركة جديدة، بل يحتاج إلى مسار يجعل أي تحرك عسكري جزءاً من مشروع واضح لاستعادة الدولة، لا جولة أخرى تعيد إنتاج الحرب بأدوات مختلفة.


وفي تقديري، فإن مسؤولية القيادة السياسية في هذه اللحظة لا تقتصر على مراقبة ما يجري، وإنما تمتد إلى امتلاك المبادرة، وتحديد الهدف، وضمان ألا تتحول البلاد إلى مجرد ساحة تتقاطع فيها حسابات الآخرين.


لذلك لا أعتقد أن ساعة الصفر قد بدأت،

لكنني لا أعتقد أيضاً أن شيئاً لم يتغير، فهناك حركة عسكرية وسياسية وإقليمية ودولية.


قد تكون يقظة، وقد تكون إعادة تموضع، وقد تكون مقدمة لتحرك أوسع، وقد تتغير إذا تغيرت الحسابات.


لكن علينا ألا نسبق الميدان .. فالتحول الحقيقي لا تصنعه الغارات وحدها، ولا رسائل رفع الجاهزية، ولا الاجتماعات المغلقة، ولا التسريبات.


التحول يبدأ عندما يتحول القرار إلى فعل، والفعل إلى تقدم، والتقدم إلى استعادة للأرض، وعندما يصبح القرار العسكري والسياسي في خدمة اليمن أولاً.


ولهذا ربما يكون السؤال الأدق اليوم ليس: هل بدأت المعركة؟

بل: هل بدأت الاستعدادات التي قد تقود إليها؟

حتى الآن، لا نملك الإجابة.


لكن شيئاً ما يتحرك، وما سيحدد طبيعته في النهاية ليس ما تقوله التسريبات، وإنما ما سيقوله الميدان.