آخر تحديث :الأحد-04 أكتوبر 2026-01:33ص

رسالة إلى من بلغ الستين ومن اقترب منها .. زاد العمر وصفاء الروح ...

السبت - 03 أكتوبر 2026 - الساعة 10:35 م
أحمد سعيد العمودي


هناك محطة في العمر لا تشبه ما قبلها .. محطة يهدأ فيها ضجيج الشباب .. وتستقر فيها خطى السنين .. ويصبح الإنسان أكثر قربا من نفسه ومن ربه ومن حقيقة الحياة .. إنها محطة العقد السادس .. السن التي قال عنها الحكماء إنها سن الحكمة والنضج والسكينة .. وقد وقعت بين يدي مجموعة نصائح ثمينة وجدت أنها تستحق أن تكتب بماء الذهب وأن تنشر ليعم نفعها بين هذه الفئة الكريمة التي أعطت الكثير ولم يبق لها إلا القليل من العمر لتتمتع به بهدوء ورضا.


أولاً : الأناقة والوقار


أول ما يبدأ به الإنسان في هذه المرحلة هو أن يهتم بنفسه .. فجمال الشباب قد مضى وانقضى .. وما بقي هو جمال الهيبة والوقار .. لذا كن أنيقا نظيفا مرتبا دائما .. البس الجميل من الثياب .. وتعطر .. واعتن بهندامك .. فالأناقة في هذا السن ليست ترفا بل هي رسالة احترام لنفسك ولمن حولك .. واجمع مع أناقة الثوب أناقة الخلق .. فالكلمة الطيبة والابتسامة الهادئة هي أجمل ما يلبسه الإنسان بعد الستين.


ثانياً : الصحة والمشي


اعلم أن الصحة هي رأس مالك الحقيقي في هذه السن .. فاحرص على المشي فهو رياضة الكبار التي لا تكلف شيئا وتمنحك كل شيء .. امش كل يوم نصف ساعة بهدوء .. فإن تعبت فاجلس واسترح ثم واصل .. لا ترهق جسدك ولا تدخل في سباق مع أحد .. وانتبه لطعامك .. كل الطيب من الرزق .. أكثر من الماء والعصائر الطبيعية .. وابتعد عن الإسراف فالمعدة بيت الداء والاعتدال هو الدواء.


ثالثاً : لا تبخل على نفسك


من أجمل ما قيل في هذه النصائح أن لا تبخل على نفسك .. كثير من الآباء يشتري الرخيص لنفسه والغالي لأولاده وأحفاده محبة وكرما .. وهذا جميل في وقته .. أما الآن فقد حان وقتك أنت .. اشتر لنفسك الأفضل كما تشتري لهم .. البس الأجود .. وكل الأطيب .. وتمتع بما جمعت من عرق جبينك .. فأنت من تعب وأنت من يستحق أن يفرح بما جنى.


رابعاً : راحة البال


لا تغضب لأتفه الأسباب .. لقد كبرت على الصغائر .. فلا تجعل كلمة عابرة أو موقفا بسيطا يعكر صفو يومك .. ولا تشغل بالك بما يقوله الناس عنك في غيابك أو حضورك .. أنت حر فيما تفعل وما لا تفعل ما دمت مخلصا نيتك لله عز وجل .. راحة البال في هذه السن هي كنز لا يقدر بثمن.


خامساً : تمتع بمالك


قد حان الوقت أيضا لكي تنفق بعض المال الذي جمعته طوال حياتك .. لقد وفرت كثيرا وساعدت أولادك وأحفادك وبنيت بيوتا وعلمت أجيالا .. والآن اقترب قطار العمر من محطته الأخيرة .. وسيبقى مالك للورثة وربما اختلفوا وتخاصموا من أجله .. فتمتع أنت به .. سافر إن استطعت .. أهد نفسك شيئا تحبه .. وسع على نفسك فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده.


سادساً : كن طبيعيا بوقارك


إياك أن تحاول أن تقلد الشباب في موضتهم وتسريحاتهم وملابسهم .. فلكل سن هيبته وجماله .. وعندما يحاول الكبير أن يلبس لباس الصغير فإنه يصبح أضحوكة بين الناس دون أن يشعر .. كن طبيعيا .. كن أنت .. بوقارك وشيبك الذي هو نور لك يوم القيامة.


سابعاً : اقتل الفراغ


لا تترك الفراغ يأكلك .. فالفراغ هو أخطر عدو لمن بلغ الستين .. حافظ على صلاتك فهي صلتك بالله وهي التي تملأ القلب طمأنينة .. ثم اقرأ كتابا أو جريدة .. شاهد برنامجا ثقافيا أو إخباريا أو رياضيا تحبه .. ادخل إلى الإنترنت وتعلم شيئا جديدا يهمك .. ادخل المطبخ واطبخ أكلة تحبها .. ازرع في بيتك وردة أو خضراوات صغيرة .. اشغل يومك بما ينفعك.


ثامناً : صلة الرحم


من أنفع ما يشرح الصدر في هذا العمر صلة الرحم وزيارة الأحباب .. زر أبناءك وإخوانك وعائلتك وأصدقاءك .. فإن لم تستطع فاتصل بهم هاتفيا .. بادر أنت دائما حتى لو لم يبادروك .. فأجرك على الله وصحتك النفسية هي الرابحة .. فالإنسان في هذه السن يحتاج إلى الدفء الاجتماعي أكثر من أي وقت مضى.


تاسعاً : مع الشباب


إذا جلست مع الشباب فلا تدخل معهم في جدال طويل .. فأفكارهم وليدة زمانهم وأفكارك وليدة تجربتك الطويلة .. لكل جيل لغته .. فلا تتباه بزمنك القديم أمامهم ولا تقل كان زماننا أجمل .. فزمنك الحقيقي هو الآن .. استمع لهم وابتسم وخذ من حماسهم ما ينعش قلبك.


عاشراً : لب الدعوة


لا ترد دعوة تدعى إليها .. فأنت في أشد الحاجة للخروج من البيت وتغيير الجو .. إذا دعيت إلى عقد قران أو زواج أو عقيقة أو مجلس أصدقاء فلب الدعوة .. حضورك يفرح الناس ووجودك بينهم يحيي قلبك ويخرجك من عزلتك.


حادي عشر : فن الإنصات


تعلم فن الإنصات .. أنصت كثيرا وتكلم قليلا .. وإذا تكلمت فاختصر ولا تطل .. وتكلم في الأشياء الحسنة المفرحة .. لا تذكر مصائب الماضي ولا ذنوبك وهفواتك أمام الناس .. ولا تحرج أحدا بحديثك .. فالكلمة الطيبة صدقة.


ثاني عشر : مع المرض


اعلم أن في الكبر تكثر الأمراض وتزداد الآلام خاصة في المفاصل والأقدام .. فلا تشتك مرضك وألمك لكل أحد .. فالله هو من قدر ذلك عليك لتكفير ذنوبك ورفع درجاتك .. فهل تشكو الخالق للمخلوق .. اصبر واحتسب فالله مع الصابرين .. وفي نفس الوقت لا تتكاسل عن زيارة الطبيب فمن خلق الداء خلق الدواء .. وأكثر من الدعاء .. ادع الله ثم ادع الله ثم ادع الله وأنت موقن بالإجابة فالله هو مجيب الدعوات ومقيل العثرات.


ثالث عشر : ما يسر القلب


حاول أن تبحث عما يسلي قلبك ويسر خاطرك .. ابتعد عن الأخبار المفزعة والمناظر المؤلمة سواء في نشرات الأخبار أو الأفلام أو حتى في الواقع .. فقلبك في هذه السن يحتاج إلى ما يطمئنه لا ما يفزعه.


رابع عشر : القرب من الله


تقرب إلى الله أكثر مما مضى .. صم النوافل .. وتصدق كثيرا .. فليس لك من مالك إلا ما تصدقت به وما أكلت به وما لبست به وما تجولت به في ملكوت الله .. وما بقي فهو للورثة.


خامس عشر : سلم أمرك لله


اترك أبواب حياتك مفتوحة .. ليدخل من يدخل ويخرج من يخرج .. لا تتعلق بداخل تعلقا شديدا ولا تحزن على مغادر حزنا يكسرك .. فلن يبقى معك في النهاية إلا الله .. فعلق قلبك به وحده.


سادس عشر : حكمة الابتلاء


اعلم أن الابتلاء في الحياة ليس اختبارا لقوتك الشخصية بل هو اختبار لقوة استعانتك بالله وحسن ظنك به .. فاقترب من ربك وثق به وتوكل عليه يقترب منك كل شيء جميل .. وخيركم من طال عمره وحسن عمله.


من واقع عدن كريتر


ولو تأملنا حياة أهلنا في عدن كريتر لوجدنا أن هذه النصائح ليست غريبة عنهم .. فقد كان كبارنا في حافة حسين والطويلة والقطيع والعيدروس إذا بلغ أحدهم الستين ازداد بهاء ونورا .. كان يلبس الكوفية الزنجباري النظيفة والقميص المكوي والعطر العدني الخفيف .. ويخرج إلى مسجد المهدلي أو مسجد أبان أو مسجد العيدروس مبكرا .. يمشي على مهل في أزقة كريتر القديمة يسلم على الصغير والكبير .. يجلس في مقهاية الحافة يشرب الشاي العدني ويقرأ جريدة الأيام .. ثم يعود إلى بيته راضيا هادئا.


هؤلاء الكبار لم يكونوا يشتكون .. كان أحدهم يتألم من ركبته أو ظهره لكنه لا يذكر ذلك إلا لله في سجوده .. كان يقول الحمد لله على كل حال .. وكان إذا مرض ذهب إلى الطبيب دون تردد لأنه يعلم أن التداوي سنة.


ومن أجمل ما نراه اليوم في مساجد عدن أن كثيرا من رواد حلقات القرآن هم من كبار السن .. من بلغ الستين والسبعين .. جلسوا بعد التقاعد لا يجدون أجمل من كتاب الله أنيسا .. فترى أحدهم في مسجد المهدلي يحمل مصحفه الكبير ويقرأ بصوت خافت .. وترى الآخر يتعلم الوضوء الصحيح من جديد .. وترى الثالث يعلم أحفاده سورة الفاتحة .. فصار المسجد بيته الثاني وصار القرآن رفيق دربه.


وقفة ختامية مع النفس


وهنا نقف وقفة صادقة مع النفس .. ماذا يريد ابن الستين من الدنيا بعد أن جرب كل شيء .. جرب الفقر والغنى والفرح والحزن والسفر والإقامة والوظيفة والتجارة .. ماذا بقي .. بقي شيء واحد فقط .. أن يرضى الله عنه.


كل النصائح السابقة من أناقة ونظافة ومشي وطعام وإنفاق وزيارة أرحام كلها تصب في مصب واحد .. أن تعيش ما بقي من عمرك وأنت مرتاح البال خفيف الروح قريب من الله محبوب بين الناس.


إن العقد السادس هو عقد التصالح الكبير .. تصالح مع الشيب .. تصالح مع المرض الخفيف .. تصالح مع الذكريات .. تصالح مع الذين رحلوا .. تصالح مع الذين بقوا.


في هذا السن يصبح الدعاء أحلى .. تصبح سجادة الصلاة أوسع من الدنيا .. يصبح المصحف الصغير في الجيب أغلى من كل الكتب .. تصبح كلمة الحمد لله تخرج من القلب بدمعة صادقة.


ولذلك كانت أجمل نصيحة هي الأخيرة .. اترك أبواب حياتك مفتوحة .. ليدخل من يدخل ويخرج من يخرج .. لا تتعلق بداخل ولا تحزن على مغادر .. فلن يبقى معك إلا الله.


من بقي معك فأهلا وسهلا به .. ومن رحل فادع له بالخير وامض في طريقك .. فالطريق إلى الله لا ينتظر أحدا.


وإذا ضاق صدرك فاذهب إلى البحر .. نحن أبناء عدن لا دواء لنا مثل بحرها .. اجلس على صيرة أو على ساحل أبين أو في جولد مور .. انظر إلى الموج كيف يذهب ويعود .. وتذكر أن الحياة مثل هذا الموج .. مد وجزر .. لقاء وفراق .. فرح وحزن .. ولا يبقى إلا وجه الله.


وإذا أردت أن ترى ثمرة عمرك فانظر إلى أولادك وأحفادك وهم يصلون .. فهذه هي التجارة التي لا تبور.


اللهم اجعلنا ممن طال عمره وحسن عمله .. اللهم اجعل الستين بداية النور والسبعين زيادة في الأجر والثمانين قربا من الجنة .. واجعل خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا.


هذه نصائح كتبتها من القلب إلى القلب .. إلى كل أب وأم وعم وخال وجار في كريتر وعدن كلها .. أنتم البركة وأنتم الخير وأنتم من علمتمونا كيف نحب عدن وكيف نحب الحياة.


حفظكم الله وأطال في أعماركم على طاعته


بقلم ✍🏻 الشيخ أحمد سعيد العمودي

كريتر - عدن


رسالة إلى من بلغ الستين ومن اقترب منها ..

زاد العمر وصفاء الروح ...