بقلم: محفوظ كرامة
في زمن تداخلت فيه الصلاحيات وغابت فيه الرقابة الفاعلة، لم تعد التجاوزات المالية في بعض المؤسسات العسكرية تدار خلف الكواليس، بل أصبحت تُشرعَن عبر بيانات رسيمة يُراد منها الذود عن النفس، فتتحول بقدرة قادر إلى قرائن إدانة دامغة لا تقبل الشك.
مؤخراً، خرج علينا قائد اللواء 15 مشاة المرابط في محافظة أبين ببيان صحفي ينفي فيه "نفياً قاطعاً" قيامه بخصم أي مبالغ من مرتبات أفراده المرابطين.
واستطرد موضحاً أن المرابطين الفعليين يتقاضون راتبهم كاملاً (60 ألف ريال يمني)، وأن من طالتهم الإجراءات هم عناصر يُحسبون على قوام اللواء اسمياً فقط، لكونهم يعملون مع وحدات أخرى كـ "درع الوطن" و"العمالقة" ويتقاضون مرتبات بالريال السعودي، وأنهم لم يستجيبوا لمطالب ارسال وثائقهم الإلكترونية.
لكن، وقبل أن يجف حبر البيان، يتضح جلياً أن هذا "النفي" لم يكن سوى إقرار صريح بالمخالفة، وسندات الصرف التي وثقت تسليم مبالغ هزيلة لا تتجاوز 3000 ريال يمني لبعض الجنود تقف شاهدة كعين الشمس على هذه التجاوزات.
إن التذرع بوجود أفراد يعملون مع تشكيلات عسكرية أخرى لا يبرر إطلاقاً هذه التصرفات؛ فإذا صحّ انضمامهم لوحدات ثانية، فالإجراء الإداري والقانوني السليم يتطلب إسقاط أسمائهم أو فصلهم رسمياً وفق النظم العسكرية المتبعة، لا أن تُستقطع مرتباتهم ويُسلم لهم مبلغ 3000 ريال يمني على سبيل الذر للرماد في العيون!
هذا التصرف لا يعكس فقط الالتفاف على القانون، بل يكرس استهانة بالغة بحقوق المنتسبين، وينم عن عقلية الانتهازية واستغلال حالة الإرباك الإداري لتحقيق مكاسب غير مشروعة بأسلوب "الرزق يحب الخفية"وذلك عذر أقبح من الذنب.
الأدهى من ذلك أنه عقب إثارة القضية في وسائل الإعلام وتسليط الضوء على هذه الخصميات المجحفة، تم الحديث عن توجه لإعادة المبالغ المستقطعة إلى مستحقيها ولكن بنصف راتب!
وهو ما يعكس إصراراً غريباً على اقتطاع حقوق الجنود والتفريط في أمانة المسؤولية.
أمام هذا المشهد الذي يسيء لكرامة الجندي المؤسسية ويضعف عقيدة الصمود، يبرز سؤال جوهري: أين دور القيادات العسكرية والسياسية العليا مما يحدث؟
هل هو غياب تام لأدوات الرقابة والتفتيش، أم أن هناك صمتاً مريباً يتجاوز مجرد التقاعس الإداري؟
إن حماية حقوق أفراد القوات المسلحة وصون كرامتهم ليست خياراً ثانوياً، بل هي الأساس لاستقرار المؤسسة العسكرية وصمودها في هذه الظروف الاستثنائية.
وعلى القيادات العسكرية والسياسية العليا اتخاذ الاحراء القانوني فب مثل هكذا حالات مالم يكن القائد لديه مستميكات عليهم.!!
عشنا وشفنا.