الوقوف الأسطوري الذي يقدمه أبناء تعز اليوم، ومساندة ودعم أبناء الجنوب للدفع عن تعز أمام الهجمة الشرسة للجماعة الكهنوتية، يطرح سؤالاً-
ماذا يحدث اليوم؟
بل - ما الذي يُولد من رحم كل هذا الوجع؟
منذ أمس، تأخذني مقولة بليغة لأحد المقاتلين في جبهات تعز وهو يقول بحرقة وإجلال: «خاطري أرفع علم الجنوب فوق جبال الحالمة إجلالاً لرفقاء السلاح…»، وأنا أطيل التأمل.
قد يمر البعض بجملة كهذه على أنها مجرد عاطفة عابرة لمقاتل أضنته الحرب، لكنني، كصحفي، أراها من نافذة أوسع: ما الذي تخبرنا به هذه العبارة عن حجم التغيير العميق الذي صنعته سنوات الدم والتضحية بين تعز والجنوب؟
فليست تعز والجنوب مجرد رقعتين جغرافيتين تتجاوران على خريطة الذاكرة اليمنية؛ فهناك تاريخ طويل من التداخل، والهجرة، والتجارة والسياسة، والتداخل الأسري والنسب والمصاهرة التي جمعت عائلات من الجانبين عبر عقود طويلة. لكن سنوات الحرب الأخيرة جاءت لتسكب في هذا التاريخ شيئاً أقسى وأعمق: رفقة السلاح، حين يتقاسم الرجال لقمة الخوف ومواجهة الموت في خندق واحد.
وحين يقاتل رجال الجنوب إلى جانب إخوتهم في تعز، وحين يجد المقاتل سنداً حقيقياً في اللحظات الفارقة، فإن العلاقة تتجاوز حدود التكتيك العسكري المؤقت. إنها تترك وراءها ذاكرة جديدة، وشبكة من الروابط الإنسانية والسياسية التي لم تكن مطروحة بهذا الإلحاح من قبل.
ومأرب.. القلب الآخر الحاضر في قلب المشهد. أمام اختبار المصير، وقد اشتركت في كلفة باهظة عنوانها الأبرز: حماية الأرض وكسر المشروع الحوثي.
ومن قلب هذه التجربة المرة، تتكشف حقائق جديدة لا يمكن الهروب منها؛ فحين ننظر إلى مآلات الواقع اليوم، ندرك أن فكرة "الوحدة" التقليدية مع الهيمنة السياسية والسلالية القادمة من الشمال (الزيود)أصبحت مأزقاً تاريخياً، بل وصارت قناعة راسخة لدى أبناء تعز ومأرب بأن العيش في ظل تلك الشروط القديمة أصبح أصعب بكثير، وأشد قسوة، وربما بأضعاف ما هي عليه من صعوبة على أبناء الجنوب أنفسهم الذين اختاروا طريقهم بوضوح.
وهذا كله يستحق أن يُقرأ سياسياً.
من هنا، يبرز السؤال بلا مساحيق تجميل
هل يمكن أن تتحول هذه الدماء ورفقة السلاح الميدانية إلى ورقة سياسية يدرسها الساسة لرسم دول الجنوب العربي دولة ترسمها دماء رفقاء السلاح
لا دولة ترسمها الخرائط القديمة؟