ن
حين عجز السلاح عن كسر تعز، جرّبت الجماعة الحوثية لغةً أن
عم من القذيفة وأخبث منها. رسائل تأتي عبر وسطاء وأقلام وصفحات، تتحدث عن «الأخوّة» و«الحوار» و«فتح الطرق» و«طيّ صفحة الماضي»، وكلها تقول للمدينة شيئاً واحداً بأصوات مختلفة: اهدئي، وكفّي، وسلّمي ببطء. وهذه ليست مبادرة سلام، بل هجوم يغيّر سلاحه ولا يغيّر هدفه.
ولا يغيب عن القارئ الفطن سبب هذا التحول. فالجماعة لم تتخلَّ عن العنف حباً في الكلمة، بل لجأت إلى الكلمة بعدما ذاقت من تعز ما لم تتوقعه. دخلت إليها وهي تحسب أن المدينة أسهل من غيرها، فاكتشفت أنها أمام أبناء تعلموا الصبر في الحصار والثبات في القصف، وأن كل ج
بل حسبته نزهة صار مقبرة لحساباتها. وجدت الجماعة في تعز كلفةً بشرية وسياسية ومعنوية أثقل مما احتملت، فجاء الخطاب الناعم اعترافاً غير مُعلن بأن الطريق الأول سُدّ في وجهها. فالقوة التي تتحدث بلطف بعد سنوات من الصلف هي قوة تتألم ولا تجرؤ على قول ذلك.
والأفعى لا تُعرف بحدّة أنيابها فحسب، بل بنعومة ملمسها قبل اللدغة. ومن جرّب هذه الجماعة يعرف أن الليونة عندها خطة، وأن الابتسامة تسبق الكمين. وتعز عرفتها من تحت القصف، فلا تحتاج إلى من يشرح لها الفرق بين من يمدّ يداً ومن يمدّ طوقاً. هي المدينة التي رأت الحصار يُسمّى «إجراءً»، والقناص يُسمّى «ردّاً»، والتجنيد يُسمّى «واجباً»، فصار عندها قاموس خاص لا تنطلي عليه المفردات الجديدة.
لذلك نقول لأبناء تعز، ولرجال الجيش الوطني والمقاومة في الجبهات: إن ما يُراد منكم اليوم ليس أن تنهزموا، فتلك تجربة فشلت، بل أن تتعبوا من الثبات وتصدّقوا أن الخطر انتهى. المطلوب أن تنزلوا من الجبل بإرادتكم، وأن تتحول يقظتكم إلى ملل، وأن يُنسيكم الكلام الجميل أن ما بين أيديكم ليس ارتفاعاً في خريطة، بل جدار يحمي بيوتاً وأحياء ومدارس.
وللجندي الواقف على خطه نقول: موقعك ليس تفصيلاً في كشف الأسماء، بل هو الفاصل بين مدينة تُدار بقرار أهلها ومدينة تُدار بقرار غيرهم. وللأم التي تنتظر ابنها، وللمعلّم الذي يمشي طريقه الطويل إلى مدرسته، نقول: صبركم ليس ضعفاً، فهو أغلى ما تملكه المدينة، وهو ما عجزت الجماعة عن شرائه بالقوة فتحاول الآن شراءه بالكلام.
وليس هذا الثبات جديداً على تعز. فهي منذ عقود ركن من أركان الفكرة الجمهورية في اليمن، ومنها خرج المتعلمون والمناضلون والأحرار الذين حملوا حلم الدولة والمواطنة حين كان الحلم مكلفاً. واليوم يكتب أبناؤها فصلاً جديداً من تاريخ الجمهورية، لا بالحبر بل بالدم، كما فعلوا دائماً في كل منعطف مرّ به اليمن. إن من يقف في وجه مشروع الإمامة الجديد لا يدافع عن مدينة فحسب، بل يحمي معنى الجمهورية نفسه: أن اليمني مواطن لا رعية، وأن الحكم عقد لا ولاية. وهذا الدم الذي يسيل ليس عبثاً، فهو حبر التاريخ حين يُكتب بصدق.
وأي حديث عن تهدئة لا يبدأ برفع الحصار عن طرق تعز، ولا يوقف القصف على أحيائها، ولا يضع سجل الجماعة على الطاولة قبل وعودها، فهو كلام يُراد به إسكات المدينة لا إنصافها. وتعز لا تعارض السلام، لكنها تعرف الفرق بينه وبين التسليم الدبلوماسي. السلام الحقيقي يبدأ حين تتوقف الجماعة عن اعتبار تعز غنيمة مؤجلة.
ولا ننسى مسؤولية من يملك القرار والإمكانات في الشرعية والتحالف الداعم لها. فمعنويات المقاتل تُبنى بالإيمان بقضيته، لكنها تُحفظ بالسلاح والخدمات والإسناد الجاد وفتح الطرق. وكلما كان الدعم بحجم التضحية، ضاق المجال على كل محاولة لاختراق الصفوف بالكلمة بعد أن فشل اختراقها بالنار.
أما الحوثي وأعوانه، فنقول لهم بلا لبس: لقد سقطتم في اختبار الحرب، وستسقطون في اختبار الخديعة. فتعز التي ثبتت أمام الحصار لا تشتريها رسالة منمّقة، ولا يخدعها وسيط مبتسم، ولا يهزّها منبر يرفع صوته. هي مدينة تعلمت أن الكلمة التي لا يسندها فعل تُلقى في النهر.
وستبقى تعز كما عرفها اليمنيون: ثابتة في خندقها، يقظة في وعيها، واضحة في قرارها. من أراد لها السلام فليفتح الطريق قبل أن يفتح فمه، ومن أراد خديعتها فقد جاء متأخراً سنوات.