من خلال تجارب التاريخ العسكري والإنساني تعلمنا بان الحروب لا تحسم فقط بضخامة العتاد او أعداد المقاتلين بل بالقدرة على ادراك الواقع والمراجعة الشجاعة للذات وان ما يهدد المؤسسات الدفاعية ليس الخصم الخارجي في المقام الأول بل حالة الأنكار التي تمنع قراءة الأسباب الحقيقية للانكسارات وتأطير الفشل تحت مسميات تجميلية إن أولى خطوات الانطلاق نحو تحقيق أي نصر ميداني تبدأ من الاعتراف الصريح بأن كل هزيمة هي درس قاسي يجب تفكيكه وتقييمه ومعالجة جذوره حتى لا يتحول إلى نمط مكرر يُستنزف فيه الوطن وتُهدر فيه الأرواح.
ففي الجيوش الاحترافية لا تكتمل أي عملية عسكرية سواء انتهت بالنصر أو بالخسارة دون إجراء ما يُعرف بـ (مراجعة ما بعد العمليات ) هذه المراجعة ليست هدفها تبادل الاتهامات بل التشخيص الدقيق
من حيث : تحديد الثغرات وتلافيها - الوقوف على الإخفاقات الاستخباراتية- والتكتيكية- واللوجستية- والقيادية التي استغلها الخصم .
إن غياب التقييم يعني إرسال الجنود والمقاتلين إلى الجبهات بنفس الأساليب والأدوات التي أثبتت فشلها سابقًا مما يجعل كل قطرة دم جديدة تراق بمثابة ضحية للتخبط والإهمال التنظيمي قبل أن تكون بفعل نيران العدو فالتقييم المستمر هو الذي يحول المعاناة إلى خبرة تكتيكية، والكبوات الميدانية إلى مادة لبناء عقيدة قتالية متماسكة وقادرة على التكيف مع متطلبات المعركة الحديثة.
كذلك أن توحيد القرار العسكري من اهم أسباب النصر فتوحيد القرار هو قانون عسكري وأخلاقي لأتقبل المعارك الميدانية المساومة عليه وان الاستمرار في إدارة الصراع بنفس الأدوات التي أدت الى الفشل والانتظار لتحقيق نتائج مختلفة هو سلوك وهمي فطالما ظل القرار مشتتا والقيادة مبعثرة فلن يتحقق أي تحسن بل سوف سيستمر منحنى النزيف والاستنزاف في الانحدار .
أن تشكيل قيادة عسكرية موحدة وهيئة أركان تخصصية تدار وفقا لمبادئ الكفاءة والجاهزية بعيد عن الولاءات الحزبية والسياسية والمحاصصات هي الطريق الإجباري لضمان نتائج استراتيجية دفاعية وهجومية متكاملة يرافق ذلك التزام بالخطط العسكرية على كافة المحاور وفي ذلك الأجراء إعادة الثقة لدى المقاتلين وكل من في الميدان بان هناك قيادة عسكرية موحدة تدير المعركة بكل حرص وأمانة
وأخـــــيرا :
إن الحقيقة التي يجب أن يعيها الجميع هي أن التاريخ لا يرحم الذين يكررون أخطاءهم وأن النصر لا يُمنح للنيات الحسنة بل لمن يمتلك المنطق والتنظيم والشجاعة في تقييم الذات وإن تضحيات الشهداء والجرحى والمرابطين هي أمانة غالية في أعناق صاحب القرار ولا يمكن الوفاء لهذه التضحيات إلا بإنهاء حالة التخبط وتوحيد القيادة والقرار وتأسيس مرحلة جديدة قائمة على المكاشفة والتخطيط السليم والتقييم والمحاسبة فإما أن يُتخذ هذا القرار الجريء اليوم لتعديل المسار أو سيبقى الوضع المتردي يتكرر حاملاً معه المزيد من الخسائر والتضحيات فكل من في ميدان المعركة من شعب وجنود يستحقون قيادة ترتقي بحجم تضحياتهم .