لم تعد معركة تعز مجرد معركة أخرى على خارطة الحرب اليمنية. فالمشهد الذي يتشكل في هذه المحافظة، وفي المناطق المتصلة بها غرباً وجنوباً، يوحي بأن تعز قد تتحول من جبهة محاصرة إلى مركز ثقل عسكري وسياسي يعيد تعريف المرحلة المقبلة من الحرب.
والسؤال الأكثر إثارة هنا ليس: من سيسيطر على تعز غداً؟
بل سؤال آخر أكثر عمقاً:
هل أصبحت تعز، عن قصد أو بحكم تطورات الميدان، ساحة لاستنزاف القوة الحوثية وإعادة توزيع كلفة الحرب على نحو مختلف؟
هذا الاحتمال يستحق التوقف عنده.
فالحرب لا تُحسم دائماً بالاندفاع نحو المدن وإسقاط المواقع واحداً تلو الآخر. وفي بعض مراحل الصراع، قد يكون تثبيت الخصم في جبهة شديدة الكلفة، ومنعه من تحويل مكاسبه إلى اختراق استراتيجي، جزءاً من معركة أكبر بكثير من مساحة الجبهة نفسها.
وهنا تبرز تعز.
تعز ليست مجرد مدينة
تكمن أهمية تعز في موقعها الجغرافي قبل أي شيء آخر. فهي تقع عند تقاطع طرق وممرات تربط وسط اليمن بجنوبه وغربه، كما أن محيطها يرتبط مباشرة بالتطورات التي شهدها الساحل الغربي ومناطق المخا وذوباب وباب المندب.
وقد شهد سبتمبر/أيلول 2026 تحولات ميدانية كبيرة على الساحل الغربي، مع تقدم الحوثيين وسيطرتهم على المخا ومناطق ساحلية وصولاً إلى باب المندب، وفق تقارير دولية وإقليمية.
لكن المفارقة أن هذا التقدم الساحلي لم ينهِ معركة تعز، بل جعلها أكثر أهمية.
فكلما توسعت رقعة المواجهة حول تعز، ازدادت قيمة المرتفعات والطرق والممرات التي تتحكم في الحركة بين الساحل والداخل.
وهنا تبدأ المعادلة الجديدة.
قد يكون الحوثيون قادرين على التقدم في بعض المناطق المفتوحة والساحلية، لكن تحويل هذه المكاسب إلى تفوق مستدام داخل الجغرافيا الأكثر تعقيداً حول تعز شيء آخر تماماً.
من معركة السيطرة إلى معركة الكلفة
في الحروب الطويلة، لا تقاس قيمة الجبهة فقط بعدد المواقع التي تم الاستيلاء عليها.
هناك سؤال آخر:
كم كلّفت هذه المواقع صاحبها؟
قد يسيطر طرف على منطقة، لكنه يستهلك في سبيل ذلك مقاتلين وذخائر وآليات وقدرات لوجستية يصعب تعويضها بالسرعة نفسها.
وهذه هي النقطة التي تجعل فكرة «مصيدة الاستنزاف» جديرة بالنقاش.
إذا كانت القوات الحوثية تضطر إلى خوض هجمات متكررة في محاور تعز، ثم تواجه دفاعاً صلباً وهجمات مضادة وعمليات قصف تستهدف تجمعاتها وآلياتها، فإن استمرار القتال قد يتحول تدريجياً من وسيلة لتحقيق الاختراق إلى مصدر مستمر لاستنزاف الموارد.
وقد أعلنت القوات الحكومية خلال الأسابيع الماضية صد هجمات حوثية في عدد من جبهات تعز، كما أعلنت عن استهداف آليات وتجمعات ومواقع عسكرية، مع بقاء كثير من أرقام الخسائر المتبادلة غير قابلة للتحقق المستقل.
وفي المقابل، فإن تقارير أخرى تحدثت عن خسائر كبيرة في صفوف القوات الحكومية والمدنيين أيضاً، وهو ما يؤكد أن الحديث عن «استنزاف» لا يعني أن كلفة الحرب تقع على طرف واحد.
وهنا تكمن أهمية التمييز بين الاستنزاف الحقيقي وبين مجرد ارتفاع أعداد الضحايا.
فالاستنزاف العسكري يصبح ذا معنى استراتيجي فقط عندما تكون خسائر الطرف أكبر من قدرته على التعويض، أو عندما تمنعه تلك الخسائر من تحويل قوته إلى مكاسب عملياتية جديدة.
لماذا قد تكون تعز مختلفة؟
هناك فارق بين أن يخوض الحوثيون معركة خاطفة، وبين أن يجدوا أنفسهم أمام جبهة لا تمنحهم نصراً سريعاً ولا تسمح لهم بالانسحاب من دون خسارة مكاسب أو مواقع أو هيبة ميدانية.
هذه هي «المعضلة» التي يمكن أن تجعل تعز جبهة استنزاف.
فالتقدم يحتاج إلى قوة.
والتثبيت يحتاج إلى قوة.
والدفاع عن المناطق التي تم الاستيلاء عليها يحتاج إلى قوة أكبر.
وكل كيلومتر جديد يضيف إلى خطوط الإمداد مسؤوليات جديدة، وكل جبهة جديدة تعني توزيعاً إضافياً للقوات والذخائر والقيادات.
ولهذا فإن السؤال ليس بالضرورة ما إذا كان الحوثيون يستطيعون مهاجمة تعز، وإنما:
هل يستطيعون الاستمرار في مهاجمتها والمحافظة في الوقت نفسه على المكاسب التي حققوها في الساحل الغربي؟
وهنا تتداخل الجبهات.
الساحل الغربي وتعز.. جبهتان بمعركة واحدة؟
التطورات الأخيرة جعلت الساحل الغربي وباب المندب جزءاً من المعادلة العسكرية الأوسع.
وقد وصفت تحليلات حديثة مركز الثقل الميداني بأنه انتقل نحو الساحل الغربي والجبهات المحيطة بتعز، في ظل محاولة الحوثيين تثبيت مكاسبهم الساحلية وإعادة ترتيب القوات المناوئة لهم.
وبالتالي، فإن تعز لا يمكن قراءتها بمعزل عن المخا وذوباب والطرق المؤدية إلى باب المندب.
فإذا استطاع الحوثيون تحويل سيطرتهم الساحلية إلى قاعدة مستقرة للتوسع، فإن ذلك سيغير طبيعة المعركة.
أما إذا اضطروا إلى استنزاف جزء متزايد من قوتهم لتثبيت خطوطهم الجديدة، بالتزامن مع استمرار الضغط عليهم في تعز ومحاور أخرى، فإن المكسب الجغرافي قد يتحول إلى عبء عسكري.
وهذه واحدة من مفارقات الحروب:
أحياناً يكون احتلال مساحة واسعة أسهل من الاحتفاظ بها.
هل المطلوب حسم تعز الآن؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأصعب.
في الخطاب العسكري التقليدي، تبدو فكرة الحسم جذابة: التقدم، تحرير المناطق، إنهاء وجود الخصم.
لكن في الحرب اليمنية، حيث تتشابك الجغرافيا والسكان وخطوط الإمداد والتدخلات الإقليمية، فإن الاندفاع نحو حسم سريع قد يفتح أسئلة أصعب من السؤال الذي يريد الإجابة عنه.
كم ستكون كلفة الحسم؟
ما حجم الخسائر بين المدنيين؟
هل يمكن تأمين المناطق التي يتم استعادتها؟
هل يمكن منع الخصم من إعادة تنظيم صفوفه خلف خطوط جديدة؟
وهل يمكن تحويل الانتصار الميداني إلى مكسب سياسي مستقر؟
لهذا قد تكون معركة تعز، في إحدى قراءاتها المحتملة، معركة صبر أكثر منها معركة اندفاع.
فالخصم الذي لا يستطيع تحقيق اختراق حاسم، ويجد نفسه مضطراً للقتال بصورة متكررة في الجبهة ذاتها، قد يدخل تدريجياً في حرب استنزاف لم يكن يريدها.
«محلك سر».. حين يصبح الجمود مكسباً
في الظروف العادية، الجمود العسكري يعني فشل الطرفين في تحقيق أهدافهما.
لكن ليس دائماً.
إذا كان أحد الطرفين يملك قدرة أفضل على التعويض، أو يملك خطوط إمداد أكثر استقراراً، أو يستطيع تحمل الزمن بصورة أكبر، فإن الجمود قد لا يكون متساوي الكلفة.
ومن هنا تأتي أهمية العبارة العسكرية القديمة:
ليس كل تقدم انتصاراً، وليس كل جمود هزيمة.
قد يبدو المشهد من الخارج ساكناً، بينما تكون المعركة الحقيقية في الداخل: الذخائر، الآليات، المقاتلون، خطوط الإمداد، معنويات الوحدات، والقدرة على التعويض.
وإذا كانت تعز تجبر الحوثيين على دفع كلفة متكررة مقابل مكاسب محدودة، فإن «محلك سر» قد يصبح في حد ذاته نتيجة عسكرية ذات قيمة.
لكن ذلك يبقى احتمالاً تحليلياً، وليس حقيقة يمكن الجزم بها من دون بيانات مستقلة عن حجم الخسائر والقدرات المتبقية لكل طرف.
أخطر ما في الاستنزاف
الاستنزاف ليس طريقاً مضموناً للنصر.
قد يستنزف طرفٌ خصمه، لكنه قد يستنزف نفسه أيضاً.
وقد تتحول المعركة الطويلة إلى عبء على المدنيين قبل أن تكون عبئاً على الجيوش.
وهذا ما يجعل الحديث عن تعز شديد الحساسية.
فالتقارير الأخيرة تحدثت عن سقوط مدنيين ونزوح واسع واضطراب في الطرق والخدمات، فيما تسببت المعارك الجديدة في موجات نزوح ومضاعفات إنسانية متزايدة.
ولذلك فإن نجاح أي استراتيجية استنزاف لا يقاس فقط بما تخسره القوات الحوثية، وإنما أيضاً بقدرة القوات المناوئة لها على حماية السكان وعدم تحويل المدينة ومحيطها إلى ساحة استنزاف مفتوحة للمدنيين.
المشكلة الحوثية: الانسحاب أم الاستمرار؟
إذا افترضنا أن جبهة تعز أصبحت مكلفة بالنسبة للحوثيين، فإن الخيارات أمامهم ليست بالضرورة مريحة.
الاستمرار يعني دفع تكلفة إضافية.
والتراجع يعني الاعتراف بأن التقدم لم يتحول إلى مكسب نهائي.
والانتقال إلى جبهة أخرى يحتاج إلى إعادة توزيع للقوات والموارد.
أما محاولة الاحتفاظ بالمكاسب الساحلية وفي الوقت نفسه مواصلة الضغط على تعز، فقد تعني فتح جبهتين تحتاجان إلى موارد كبيرة.
لكن من الخطأ أيضاً افتراض أن الحوثيين سيقفون مكتوفي الأيدي أمام الاستنزاف.
الجماعة أثبتت خلال سنوات الحرب قدرتها على إعادة توزيع قواتها، وتغيير أساليب القتال، والاستفادة من الجغرافيا، وتحويل الخسائر المحلية أحياناً إلى تعبئة سياسية وعسكرية.
ولهذا فإن القول إن «الحوثي أصبح محاصراً بخياراته» يحتاج إلى إثبات ميداني مستمر، لا إلى استنتاج واحد من جولة قتال.
المعركة الحقيقية قد تكون خارج تعز
المفارقة الأكبر أن القيمة الاستراتيجية لتعز قد لا تكون في تحرير المدينة نفسها فقط.
إذا استطاعت القوات المناوئة للحوثيين تثبيت جبهة تعز، ومنع الخصم من تحويل تقدمه الساحلي إلى اندفاعة واسعة نحو الداخل، فقد تصبح المحافظة نقطة ارتكاز لإعادة تشكيل ميزان الحرب.
وفي هذه الحالة، لن تكون تعز مجرد جبهة دفاع.
ستصبح جبهة استنزاف، وجبهة تثبيت، وجبهة انتظار للخطأ الاستراتيجي.
فالخصم الذي يتقدم في اتجاهات متعددة يواجه مشكلة جوهرية: كلما اتسعت الجبهة، اتسعت معها مسؤولية الدفاع.
وهنا يصبح الزمن عاملاً عسكرياً بحد ذاته.
هل يمكن أن تنقلب المكاسب الساحلية إلى عبء؟
هذا هو السؤال الذي يستحق المتابعة خلال المرحلة المقبلة.
فالسيطرة على المخا والمناطق الساحلية وباب المندب تمثل مكسباً جغرافياً بالغ الأهمية، لكن قيمته النهائية تعتمد على القدرة على تأمينه واستثماره والمحافظة على خطوط الاتصال به. وقد وصفت مصادر وتحليلات حديثة السيطرة الحوثية على أجزاء واسعة من الساحل الغربي وباب المندب بأنها تحول استراتيجي يرفع أهمية المعركة حول تعز.
إذا أصبحت هذه المناطق بحاجة إلى قوات كبيرة لتثبيتها، وفي الوقت نفسه استمرت جبهات تعز في استنزاف الوحدات المهاجمة، فإن المعادلة قد تصبح أكثر تعقيداً مما تبدو عليه على الخريطة.
فالخريطة تقول: مناطق جديدة تحت السيطرة.
أما دفتر الحرب فيسأل:
كم كلفت السيطرة؟ وكم ستكلف المحافظة عليها؟
وهذا سؤال مختلف تماماً.
تعز قد تكون بداية المرحلة لا نهايتها
لهذا، فإن قراءة معركة تعز باعتبارها معركة محلية فقط قد تكون تقليلاً من أهميتها.
المعركة قد تكون اختباراً لقدرة الحوثيين على إدارة حرب متعددة المحاور بعد التغيرات الكبيرة التي شهدها الساحل الغربي.
وقد تكون اختباراً أيضاً لقدرة خصومهم على تحويل الدفاع إلى استراتيجية طويلة الأمد، بدلاً من التعامل مع كل جبهة باعتبارها معركة منفصلة.
ومن هذه الزاوية، فإن تعز ليست بالضرورة «المصيدة» لأن الحوثيين لا يستطيعون الخروج منها، وإنما لأنها قد تصبح المكان الذي يُجبر فيه التوسع العسكري على دفع ثمنه.
وهذه نقطة جوهرية.
فالتقدم العسكري لا يصبح انتصاراً استراتيجياً إلا عندما يستطيع صاحبه تحويله إلى قدرة مستدامة على فرض إرادته.
أما إذا أصبح كل تقدم يحتاج إلى معركة جديدة لحمايته، وكل مكسب يحتاج إلى مزيد من القوات، وكل جبهة تحتاج إلى إمدادات إضافية، فقد تتحول الخريطة المتسعة إلى عبء متسع معها.
النهاية لن تُكتب في تعز وحدها
قد لا تكون معركة تعز هي المعركة التي تنهي الحرب.
لكنها قد تكون إحدى المعارك التي تحدد كيف ستدخل الحرب اليمنية مرحلتها التالية.
إذا استمر الحوثيون في دفع قواتهم إلى جبهات تعز من دون تحقيق اختراق حاسم، وظلت خسائرهم أعلى من قدرتهم على التعويض، فقد يصبح الاستنزاف عاملاً مؤثراً في حساباتهم.
وإذا استطاعت القوات المناوئة لهم الحفاظ على تماسكها، ومنع انهيار خطوطها، وربط جبهة تعز بالتطورات في الساحل الغربي، فقد تتحول المحافظة إلى نقطة ضغط استراتيجية أكبر من حدودها الجغرافية.
أما إذا تحولت المعركة إلى استنزاف متبادل، فإن الخطر سيكون مختلفاً: إطالة الحرب، وتعميق معاناة المدنيين، وتحويل الجغرافيا اليمنية إلى سلسلة من الجبهات المفتوحة.
لذلك، فإن الرهان الحقيقي ليس على أن «تسقط تعز» أو «لا تسقط» فقط.
الرهان على ما إذا كانت تعز ستنجح في تغيير معادلة الحرب.
وهنا يصبح السؤال الذي ستجيب عنه الأسابيع المقبلة أكثر أهمية من كل الأسئلة السابقة:
هل استطاع الحوثيون، عبر تقدمهم على الساحل الغربي، فتح طريق إلى تعز… أم أنهم فتحوا على أنفسهم جبهة استنزاف جديدة لم يحسبوا كلفتها كاملة؟
في الحروب الطويلة، لا ينتصر دائماً من يرفع رايته فوق أكبر مساحة.
أحياناً يبدأ التحول الحقيقي عندما يصبح التقدم نفسه أكثر كلفة من التراجع.
وربما تكون تعز الآن واحدة من الأماكن التي ستختبر فيها هذه القاعدة على أرض الواقع.
تعز ليست مجرد جبهة تنتظر الحسم؛ إنها اختبار لقدرة كل طرف على تحمّل كلفة المرحلة المقبلة.