آخر تحديث :الجمعة-02 أكتوبر 2026-01:41ص

هجوم تعز الكبير .. لماذا الآن وإلى أين تتجه المعركة؟

الخميس - 01 أكتوبر 2026 - الساعة 07:54 م
محمد خالد الحسيني


ما الذي يجري في تعز؟ وهل نحن أمام اختبار عسكري جديد فرضته جماعة الحوثي على واحدة من أكثر جبهات اليمن حساسية؟


المؤكد حتى الآن أن ما يجري في تعز ليس مجرد شائعات أو حرباً إعلامية، هناك تصعيد عسكري حقيقي ومتزامن على عدة محاور، في جبل حبشي ومقبنة والأقروض وجبهات أخرى، فيما أعلنت القوات الحكومية صد هجمات حوثية وتنفيذ ضربات جوية استهدفت تعزيزات ومواقع عسكرية.


كما تحدثت مصادر عسكرية عن خسائر بشرية ومادية وأسر عدد من عناصر الحوثيين، لكن حجم هذه الخسائر والأرقام المتداولة بشأنها لا يزال يحتاج إلى تحقق مستقل، لأن معظمها صادر عن أطراف منخرطة في الصراع.


ومن هنا تبدأ القراءة الموضوعية: نعم، هناك معركة واسعة، لكن لا ينبغي أن ننتقل من الاعتراف بالهجوم إلى إعلان انهيار القوات الحكومية، كما لا ينبغي أن ننتقل من صد الهجمات إلى إعلان انتصار نهائي.


المعطيات المتاحة لا تؤكد حتى الآن انهياراً شاملاً في جبهة تعز، الرواية العسكرية الحكومية تقول إن القوات ثابتة في مواقعها، متماسكة في صفوفها، وتمكنت من صد هجمات متزامنة على أكثر من محور.


لكن الثبات الدفاعي لا يعني أن المعركة انتهت، وصد الهجوم لا يعني بالضرورة تحقيق نصر حاسم.


المعيار الحقيقي سيكون في قدرة القوات على الحفاظ على مواقعها، واستيعاب الضغط، وتعويض الخسائر، ومنع الاختراقات، ثم الانتقال من الدفاع إلى استعادة زمام المبادرة.


وأميل إلى قراءة الحشد الحوثي الأخير في تعز باعتباره اختباراً متعدد الأهداف، قد يكون الهدف اختبار الدفاعات الحكومية بعد التحولات العسكرية الأخيرة، واستنزاف القوات وتشتيت احتياطاتها، وفتح أكثر من محور لمنعها من تركيز قوتها في اتجاه واحد.


كما أن تعز ليست مجرد جبهة عسكرية؛ فهي ذات قيمة سياسية ورمزية كبيرة، وأي اختراق فيها سيكون أثره أكبر من مساحة الموقع الذي قد يسقط.


لكن الحشد الكبير لا يعني بالضرورة أن الحوثيين قرروا خوض معركة الحسم في تعز، قد يكون الهدف اختبار رد الفعل، وقياس القدرة على تحقيق اختراق، أو فرض واقع عسكري جديد في إطار تصعيد أوسع تشهده البلاد.


وهنا يظهر السؤال الأهم: أين الدولة والحكومة من كل ذلك؟ لا يكفي أن تصدر بيانات تقول إن القوات ثابتة، الدولة في زمن الحرب تحتاج إلى غرفة قرار واضحة، وخطاب موحد، ومعلومات منتظمة، وإسناد عسكري حقيقي، وإدارة للمعركة الإعلامية والإنسانية بالتوازي مع إدارة الميدان.


ولإقناع الشارع بأن ما يجري معركة حقيقية وأن القوات المسلحة ثابتة، فإن الطريق ليس عبر المبالغة أو صناعة انتصارات إعلامية، بل عبر الشفافية.


على الدولة أن تقول للناس: نعم، هناك هجوم واسع، وهناك خسائر وضغط شديد، لكن هذه المواقع بقيت بأيدي قواتنا، وهذه الهجمات تم صدها، وهذه هي خطوط التماس، وهذا ما تحقق على الأرض.


وإذا حدث تراجع تكتيكي في موقع ما، فليُسمَّ باسمه، وإذا تحقق تقدم فليثبت بالدليل،

الحقيقة أقوى من الدعاية، والميدان أفضل من البيانات.


وفي تقديري، الخطأ الأكبر هو التعامل مع تعز باعتبارها محافظة أخرى في خريطة العمليات، تعز تمثل، عسكرياً وسياسياً واجتماعياً، واحدة من قلاع الدولة والجمهورية، وجبهتها خلال سنوات الحرب كانت اختباراً مستمراً لقدرة القوات المناهضة للحوثيين على الصمود.


ولذلك فإن تماسكها اليوم لا يعني فقط بقاء خطوط تماس، بل يعني أن محاولة تحويل الضغط العسكري إلى انهيار شامل لم تنجح، على الأقل وفق المعطيات المتاحة حتى الآن.


وفي المقابل، لا ينبغي التعامل مع الوضع باستخفاف، المعركة لم تنته، والتصعيد الحالي يأتي في سياق أوسع تشهده اليمن، ما يعني أن الأيام المقبلة ستكون أكثر أهمية من البيانات التي صدرت حتى الآن.


أرى أن القراءة الأكثر عقلانية تقع بين روايتين متناقضتين: رواية تقول إن الجيش انهار وأن الحوثيين يتجهون للسيطرة على تعز، وهي لا تؤيدها المعطيات المنشورة حتى الآن، ورواية تقول إن الحوثيين هُزموا وانتهى خطرهم، وهي أيضاً سابقة لأوانها.


ما نراه حتى الآن هو هجوم حوثي واسع ومتعدد المحاور، واجهته القوات الحكومية والمقاومة بقتال فعلي وتمكنت، بحسب المعطيات المتاحة، من منع تحقيق اختراق حاسم.


لذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل تعز صامدة؟ بل: هل تستطيع الدولة تحويل هذا الصمود إلى استراتيجية، وتحويل الدفاع إلى مبادرة، وإثبات أن لديها قراراً واضحاً لما بعد المعركة؟


تعز الآن لا تحتاج إلى من يرفع معنوياتها بالكلام، بل إلى دولة تعرف ماذا يجري، وجيش يثبت ذلك على الأرض، وإعلام ينقل الحقيقة بلا تهويل ولا إنكار.


فالمعارك تُحسم على الأرض، لكن الدول تُقاس بقدرتها على فهم ما يجري على الأرض وتحويل هذا الفهم إلى قرار.