في السياسة، ليست المشكلة دائمًا في الفكرة، بل في توقيتها، وليست قيمة الفعاليات في حجم الحشود وحده، بل في الرسالة التي تصل إلى الداخل والخارج، وفي قدرتها على التعبير عن حقيقة اللحظة التي يعيشها الناس.
ومن هنا، فإن الحديث عن الإعداد لفعالية جماهيرية كبرى بمناسبة الذكرى الثالثة والستين لثورة 14 أكتوبر يستحق نقاشًا هادئًا وصريحًا داخل الصف الجنوبي، بعيدًا عن المجاملة والتصفيق.
14 أكتوبر ليست مجرد مناسبة للاحتفال؛ إنها ذاكرة وطنية مرتبطة بالتضحية والمقاومة والتحرر. ولذلك فإن أفضل وفاء لدماء من صنعوا تاريخها هو أن تكون المناسبة متصلة بواقع الناس، لا منفصلة عنه.
اليوم، المواطن الجنوبي يواجه أزمات معيشية قاسية، والجنود والمقاتلون يعيشون واقعًا مختلفًا تمامًا عن واقع المنصات والاحتفالات. وحين تكون الأولوية للأمن، والجبهة، والرواتب، والخدمات، يصبح من المشروع أن نسأل: هل الأولوية الآن لإنفاق واسع على فعالية جماهيرية، أم لتوجيه جزء من هذه الموارد إلى من هم في الميدان وإلى أسر الشهداء والجرحى والمحتاجين؟
وهذا السؤال ليس اعتراضًا على ذكرى 14 أكتوبر،، بل هو محاولة لإعطائها معناها الحقيقي.
لقد أُعلن في مناطق مختلفة عن ترتيبات لإحياء الذكرى، بما في ذلك سقطرى ووادي وصحراء حضرموت، مع حديث رسمي محلي عن توسيع الحضور الجماهيري والاستعداد للفعالية.
لكنني أرى أن المرحلة تحتاج إلى رسالة سياسية أكثر عمقًا من مجرد الحشد الجماهيري.
يمكن للمجلس أن يحيي المناسبة في قاعة بالعاصمة عدن، بحضور القيادات والشخصيات الوطنية وأسر الشهداء والجرحى، وأن يصدر بيانًا سياسيًا واضحًا يضع العالم والإقليم أمام حقيقة الموقف الجنوبي، ويؤكد التمسك بحقوق شعب الجنوب وفق ما يراه أبناؤه، مع التأكيد على حماية الأرض ورفض التفريط بها.
وفي المقابل، يمكن توجيه الأموال التي كانت ستُنفق على مظاهر الاحتفال الضخمة إلى الجبهات، وأسر الشهداء والجرحى، والمقاتلين، والخدمات الأساسية.
هنا تتحول المناسبة من مهرجان إلى رسالة.
ومن منصة احتفالية إلى موقف سياسي.
ومن إنفاق على المظاهر إلى وفاء لمن يدفع الثمن الحقيقي.
فالجنوب لا يحتاج في هذه المرحلة إلى أن يثبت للعالم أنه قادر على جمع الجماهير فقط؛ بل يحتاج إلى أن يثبت أن لديه مشروعًا سياسيًا مسؤولًا، وأنه قادر على الجمع بين القضية، والميدان، والمجتمع، والخدمات، والحضور السياسي.
وأقول للزملاء في المجلس الانتقالي، وللقيادات المعنية بالتحضير للمناسبة:
لا تجعلوا 14 أكتوبر مناسبةً يُصفَّق فيها للثورة ثم يعود الناس إلى أزماتهم في اليوم التالي. اجعلوها مناسبةً تُترجم فيها تضحيات الماضي إلى مسؤولية في الحاضر.
فالشهيد الذي دفع حياته ثمنًا للأرض لا يحتاج إلى مهرجان، بل يحتاج أهله إلى من يقف معهم.
والمقاتل في الجبهة لا يحتاج إلى صورة على منصة، بل يحتاج إلى أن يشعر أن من يتحدث باسم قضيته يعرف قيمة ما يقدمه.
والمواطن الذي أنهكته الأسعار وانقطاع الخدمات لا يريد خطابات طويلة بقدر ما يريد أن يرى أثرًا حقيقيًا في حياته.
الوطن لا يُحمى بالهتاف وحده، والقضية لا تنتصر بكثرة المنصات، والقيادة لا تُقاس بعدد الجماهير التي تصفق لها، وإنما بقدرتها على تحويل اللحظة السياسية إلى مسؤولية، والتضحيات إلى نتائج، والدماء إلى مستقبل.
14 أكتوبر يجب أن تكون رسالة إلى العالم والإقليم:
أن الجنوب يتذكر تاريخه، ويحترم شهداءه، ويحمي أرضه، ويتمسك بحقوق أبنائه، لكنه في الوقت نفسه يعرف كيف يضع الأولويات، ويقدّم الجبهة والمواطن والشهيد والجرحى على المظاهر والإنفاق الاحتفالي.
فإذا كانت المناسبة ذكرى ثورة، فليكن الاحتفاء بها بروح الثورة: مسؤولية، وتضحية، ووعي، وانضباط، ووفاء للناس.
أما أن يموت رجل في الميدان، ويعود أهله إلى بيتٍ خالٍ من الراتب، ثم تُنفق الأموال على الاحتفال فوق المنصة، فهنا لا تعود المشكلة في حجم الاحتفال… بل في معنى الاحتفال نفسه.