حكاية من ثلاثة أجزاء
1. الجزء الأول: عندما بدأ الدخان
كان في آخر الحي بيتٌ كبير.
ليس أكبر البيوت ولا أجملها، لكنه كان من البيوت التي يعرفها الناس من بعيد؛ لموقعه المتميز، ولكثرة ما مرّت عليه من حكايات.
في ساحته شجرة قديمة، تحتها مقعد خشبي اعتاد أهل البيت وجيرانهم أن يجلسوا عليه في المساء؛ يتبادلون الأخبار، ويختلفون قليلًا، ثم يضحكون كثيراً.
وكان للبيت أبواب عدة.
لكن أكثرها شهرة كان الباب الجنوبي.
بابٌ عتيق، واسع، يطل على طريق طويل يمتد نحو البحر.
كان أهل البيت يقولون إن لهذا الباب ذاكرة أطول من ذاكرة بعضهم.
منه خرج رجال للعمل، وعاد مسافرون، ودخل ضيوف، وخرجت جنازات، وبدأت أفراح.
وكان أحدهم يقول دائمًا: "هذا الباب لا يفتح على جهة واحدة... إنه يفتح على الحكايات؛ فكل فترة قصيرة تكون له حكاية جديدة."
وكانوا يضحكون، واحيانا يستغربون ويبحثون عن حلول...
حتى جاء يوم لم يكن فيه أحد مستعدًا لحكاية جديدة.
بدأت النار صغيرة.
دخان خفيف في إحدى زوايا البيت.
ثم شرارة.
ثم لهب صغير.
رآها طفل من بعيد، فركض صارخًا: "النار، النار، النار!
خرج الجميع دفعة واحدة.
قال أحدهم: أين؟
قال الطفل: هناك!
قال آخر: من أشعلها؟
رد العجوز: أطفئوها أولًا... وبعدها يمكننا أن نفتح تحقيقًا مع النار!
ضحك أحدهم رغم ارتباكه.
لكن النار لم تنطفأ.
كانت تكبر.
ركض رجل إلى البئر.
عاد بدلو.
ثم عاد مرة أخرى.
ثم قال: الماء قليل!
قال آخر: إذن أحضروا المزيد.
قال ثالث: من أين؟
ولم ينتظر الجواب.
خرج إلى الشارع، ونادى بعلو صوته...
بدأ الجيران يتجمعون.
هذا جاء بدلو.
وذاك جاء بخرطوم.
وثالث جاء بمضخة.
ورابع فتح مخزنه وقال: خذوا ما تحتاجون.
قال له أحدهم: حتى أدواتك؟
فأجاب: إذا احترق بيتكم، فما قيمة أن تبقى أدواتي باردة؟
وجاء جارٌ يحمل مطفأة حريق.
سأله أحدهم: هل تعرف كيف تستخدمها؟
قال بثقة: طبعًا.
سكت قليلًا.
ثم أضاف: لكنني لم أستخدمها من قبل.
قال له العجوز: ممتاز.
قال: لماذا ممتاز؟!
قال: لأنك على الأقل قلت الحقيقة قبل أن تجربها على البيت!
ضحكوا.
ثم بدأوا يتعلمون ويعملون معًا.
لم يكن الوقت يسمح لأحد أن يكون خبيرًا كاملًا في كل شيء.
كان يكفي أن يكون مستعدًا للمساعدة.
وفي الجهة الأخرى من الحي...
كان هناك جار بعيد.
لم يأتِ بالماء.
ولم يرسل مطفأة.
ولم يسأل عن الأطفال.
لكنه كان يراقب.
وحين يرى النار تخمد قليلًا، يرسل من بعيد شيئًا من الحطب.
قطعة هنا...
وأخرى هناك.
فتشتعل النار من جديد.
لم يكن أحد يعرف لماذا يفعل ذلك.
وربما لم يكن بعض أهل البيت يعرفون أصلًا أن النار التي أمامهم ليست كلها من الداخل.
وصل اللهب إلى الجهة الجنوبية.
ارتفعت الأصوات: أغلقوا الباب الجنوبي!
قال آخر: لاااااااا!
لماذا؟
— هناك أناس في الخارج!
قال ثالث: وإذا بقي مفتوحًا دخلت النار!
نظر الجميع إلى الباب.
كان مفتوحًا.
والدخان يقترب منه.
والريح تدفع النار نحوه.
وفي اللحظة نفسها...
وصل جار يركض من الطريق الجنوبي، وهو يصرخ: افتحوا الطريق! هناك أناس قادمون للمساعدة!
توقف الجميع.
كان عليهم أن يقرروا بسرعة: هل يغلقون الباب خوفًا من النار... أم يتركونه مفتوحًا انتظارًا للماء؟
وفي تلك اللحظة، لم يكن أحد يعرف أن القرار الذي سيتخذونه عند ذلك الباب...
سيغير الحكاية كلها.
يتبع...
الجزء الثاني: الباب الجنوبي...