بقلم الباحث: أحمد علي عبدالله البيتي
إن المتأمل في مسار الحروب وويلاتها يدرك تماماً أن مفاتيح إيقافها والعبور نحو السلام ليست ضرباً من الخيال، بل هي قرارٌ محصور في يد ثلاثة أطراف رئيسة: طرف داخلي يمثله قيادة جماعة الحوثيين، وطرف إقليمي تُمثله قيادات ودول الخليج، وطرف دولي تتصدره القوى الكبرى المؤثرة في القرار العالمي.
متى ما صدقت النوايا لدى هذه الأطراف وتوافرت الإرادة الحقيقية لإنهاء الصراع، فإن سبل السلام لن تكون عسيرة؛ ستتوالى المبادرات، وتتلاقى الجهود، ويُطوى كابوس الحرب بقرار حاسم يملكه هؤلاء الثلاثة.
لكن، وفي مقابل هذا التلكؤ في اتخاذ القرار، تظل الفاتورة الإنسانية بَاهِظة جداً؛ فكل ثانية تستمر فيها أوزار هذه الحرب تعني ارتقاء مزيد من الضحايا، وتسجيل أرقام جديدة في سجل المفقودين والأسرى والجرحى، واتساع رقعة الفاجعة لتضم مزيداً من الثكالى والأيتام والأرامل.
وهنا يُطرح السؤال الإيماني والأخلاقي الأهم على طاولة صناع القرار: أين مراجعة الحسابات والتفكر في عظمة النفس البشرية؟ لقد علمنا ديننا الحنيف أن «هَدْمَ الْكَعْبَةِ حَجَرًا حَجَرًا أَهْوَنُ عِنْدَ اللهِ مِنْ سَفْكِ دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ»، وأن عقوبة القتل العمد أليمة وشديدة، كما ورد في محكم التنزيل: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا.
ومن جهة أخرى، ينبغي التوقف ملياً أمام مفارقة العصر المؤلمة؛ فهذه الأموال الطائلة التي تُنفق بغزارة على شراء أعتى أنواع السلاح، وتلك الصواريخ والمقذوفات التي تفتك بأجساد البشر وتدمر الجسور، والمباني، والطرقات، والمنشآت الاقتصادية والمستشفيات.. لو جرى توجيه جزء يسير منها نحو الإعمار والبناء وتشييد المدارس والمستشفيات وتوفير سبل العيش الكريم، لكانت الشعوب قد نالت نصيبها المستحق من الحياة والتنمية والرفاه، بدلاً من الموت والدمار.
إن استمرار القتال أو إيقافه مسؤولية مباشرة تُلقى على عاتق هذه الأطراف، وهم وحدهم من سيحملون وزر كل روح تُزهق، وكل طفل يُيَتَّم، وكل امرأة تُرمَّل، وكل أم تتجرع مرارة الثكل. إن الإصرار على العناد والسيطرة والشغف بالمكاسب الاقتصادية وتضخيم الأرصدة في البنوك لن يشكل درعاً واقياً أمام حقيقة الموت، فالحياة الدنيا قصيرة وزائلة، وما بعد الرحيل إلا حساب عسير لا ينفع فيه ظالمٌ ظلمه، ولا يُغني فيه جاهٌ ولا سلطة.
على صناع القرار أن يقفوا مع أنفسهم وقفة صدق ونقد ذاتي، وأن يغلقوا آذانهم عن بطانة السوء وجلساء الفتنة الذين يحرضون على صب الزيت على النار وتأجيج الاقتتال. هذه رسالة صريحة ومباشرة أوجّهها للأطراف كافة—الداخلية والإقليمية والدولية—بضرورة إعادة النظر في خياراتهم قبل حلول يوم لا ينفع فيه الندم؛ يوم الفراق الذي هو أقرب إلى أحدنا من شراك نعله، وهي لحظة الحقيقة الكبرى التي سيمر بها كل حي.
لقد حذرنا الخالق عز وجل من الانخداع بالدنيا والركون إلى زُخرفها، فهي دار غدرٍ وافتتان، متى ما ظن الإنسان أنه بلغ ذروة السيطرة والقوة، أتاه أمر الله من حيث لا يحتسب، ليتجلى ضعفه وعجزه في أوج غروره.
ختاما: إن القوة الحقيقية لا تكمن في القدرة على إلحاق الأذى بالناس، بل في تسخير القوة لنفعهم، وإقامة العدل بين المظلومين، وحماية الأرواح والأموال والأعراض؛ فالله سبحانه وتعالى لم يستخلف الإنسان في الأرض ليفسد فيها ويسفك الدماء، بل ليعمرها بالخير والعدل والإحسان، مصداقاً لقوله عز وجل: هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا، وقوله تعالى تحذيراً من البغي والفساد: وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنَسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ.