تتعرض الشعوب للظلم والقهر لفترات طويلة ، فيظن الطغاة أنهم بمنأى عن العقاب والمحاسبة ، ويعتقد الضعفاء أن الحق قد مات وضاع للأبد ، لكن التاريخ يثبت أن العدالة قاعدة ثابتة لا تموت ، ولكنها قد تتأخر بسبب توازن القوى المؤقت الذي يمكن أن يخدم المعتدي أحياناً .
مصالح المؤقتة تغلب معايير الأخلاق ، ويساهم في ذلك المجتمع الدولي أحياناً بالتواطؤ والصمت والتغاضي ، وتستغل آلات الدعاية لتبرير الانتهاكات وطمس الحقيقة .وبسبب تعقيد الصراعات، تتداخل الملفات السياسية لتأجيل الحلول العادلة ، إلا أن ذاكرة الشعوب لا تنسى حقوقها وتدرك أن الجرائم لا تسقط بالتقادم . وكل إمبراطوريات الظلم سقطت تحت وطأة تهافتها الداخلي ، وصحوة الضمير الإنساني تشكل بمرتتأخر العدالة أحياناً في محطات التاريخ الكبرى ، كما تصطدم الحقوق بصلابة المصالح الدولية وتوازنات القوى ، فيظن الطغاة أنهم ملكوا الأبد واستوطنوا الكراسي بلا حساب ؛ لكن السنن التاريخية تؤكد أن غياب العدالة مؤقت ، وهيمنة القوة وا
لور الوقت جبهات تضامن عالمية لا يمكن كسرها . ومن حتمية التاريخ أن بناء الظلم هش ، والعدالة هي الأساس الذي يستقيم به الوجود .
إن صمت المجتمع الدولي أو تواطؤ المصالح يعطل الأحكام ، وضعف المؤسسات وغياب القانون في مراحل الفوضى يؤدي إلى شراء الوقت من قبل الفاسدين عبر طمس الأدلة ، إلا أن الضمير الإنساني الحي يرفض الاستسلام للظلم ، فالأجيال الجديدة ترث المطالبة بالحقوق ، ولا تنسى الجرائم الكبرى التي لا تسقط بالتقادم مهما طال الزمن ، وسنن الكون تقوم على التوازن والجزاء العادل .
ومن عبر التاريخ الواقعي ، سقطت إمبراطوريات ظالمة بعد عقود من الاستبداد ، وحُكِم على مجرمي حرب بعد أن كبروا وشاخت أعمارهم ، والمظلومون الذين صبروا نالوا حقوقهم كاملة وإن متأخرة . فالعدالة هي الحلم الأكبر للإنسان ، قد تتأخر خطواتها بسبب الظروف ، لكنها تصل في النهاية ولا تضيع أبدًا ، فالتأخير ليس ضياعاً للحق بل هو اختبار للصبر والوعي ، والشمس تشرق ولو بعد ليل طويل ومظلم .
سيبقى الأمل بالعدالة هو السلاح الأبقى للبشرية ، وتأخير العدالة ليس إلغاءً للحق بل اختبار لمدى الصبر والصلابة ، والظالم يحصد في النهاية ما زرع من خراب واستبداد ولابد لفجر العدالة أن يشرق مهما اشتدت عتمة الليل السياسي .
في الختام ، سؤال يطرح نفسه بقوة هل تدرك سلطة ما تسمى بالشرعية ( الفاسدة ) نزلاء الفنادق في الخارج ، أن العدالة قد تتأخر ولكنها لا تغيب ، وأنه لا بد من القصاص العادل مهما تأخر ؟ .
عبدالكريم الدالي