آخر تحديث :الإثنين-28 سبتمبر 2026-01:01ص

صرخة سعد العمري.. هل حان وقت تصحيح مسار الشرعية؟

الأحد - 27 سبتمبر 2026 - الساعة 01:33 م
م . لطفي بن سعدون


لم تكن الانتقادات القوية التي أطلقها اللواء السعودي سعد العمري ومعه الأستاذ حجيلان بن حمد وكتاب اخرون ، ضد عدد من قيادات ما تسمى بالشرعية اليمنية، من رئاسة ومجلس وزراء وقيادات عسكرية، مجرد سجال عابر؛ فقد جاءت لتلامس جرحاً ظل يتسع منذ سنوات، وتعيد إلى الواجهة أسئلة طالما طرحها كتاب وسياسيون حضارم وجنوبيون وحتى يمنيون ،حول مستوى أداء هذه المنظومة المهترئة، ومدى قدرتها على تحقيق الأهداف التي قامت من أجلها.


والأهم أن هذه الانتقادات تأتي في وقت تواصل فيه المملكة العربية السعودية تقديم دعم مالي واقتصادي وعسكري وإنساني كبير لليمن، كان آخره مليارات الريالات لدعم الموازنة والرواتب، ومئات الملايين من الدولارات لدعم الكهرباء والخدمات.


وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان حجم الدعم بهذا المستوى، فلماذا لم يتحول إلى دولة مستقرة، ومؤسسات فاعلة، وجيش قادر على اسقاط الانقلاب الحوثي وتحرير صنعاء، وخدمات أفضل، واقتصاد يخفف معاناة المواطن؟


لقد آن الأوان لأن تكون الإجابة صريحة، بعيداً عن المجاملات والحسابات الحزبية والشخصية.


فالمشكلة ليست في الشعب اليمني والجنوبي والحضرمي ، الذي دفع ثمناً باهظاً من الدم والجوع والفقر، وليست في شح الدعم الخارجي؛ وإنما تكمن، وفق ما تطرحه هذه الانتقادات المتزايدة، في ضعف وفساد الإدارة، وتضارب المصالح، والمحاصصة، واستمرار بعض مراكز النفوذ في التعامل مع الدولة باعتبارها غنيمة ومصدراً للمناصب والمكاسب، بدلاً من كونها مسؤولية وطنية.


ولا يصح بالطبع وضع جميع المسؤولين في سلة واحدة؛ فهناك قيادات وطنية ونزيهة تعمل في ظروف بالغة الصعوبة. لكن بقاء العناصر الفاشلة أو المتهمة بالفساد دون محاسبة يسيء إلى الجميع، ويبدد ثقة المواطن، ويجعل الدعم الخارجي أقل أثراً مما ينبغي.


ومن هنا فإن الرسالة الأهم إلى صاحب القرار في المملكة ليست المطالبة بوقف الدعم، بل إعادة توجيهه وربطه بإصلاح منظومة الدولة وبالنتائج والمحاسبة وبالشفافية والحوكمة وانهاء الفساد المهول.


وبلادنا بحاجة إلى قيادات جديدة تمتلك الكفاءة والنزاهة والشجاعة وامانة المسؤولية، وتضع مصلحة الشعب فوق الحزب والعائلة والمنصب، وتتعامل مع الدعم السعودي باعتباره أمانة ومسؤولية، لا رصيداً مفتوحاً بلا حساب.


فالشرعية لا تُقاس بعدد المسؤولين، ولا بعدد البيانات والمؤتمرات والإستعراضات الاعلامية، وإنما بما تقدمه للمواطن من أمن وكهرباء ورواتب واقتصاد وعدالة، وبما تحققه من تقدم حقيقي في مواجهة الحوثيين واسقاط انقلابهم وتحرير صنعاء واستعادة مؤسسات الدولة.


إن المملكة قدمت الكثير، وما زالت تقدم الكثير، لكن استمرار الدعم بذات الأدوات والآليات دون مراجعة جادة يعني استمرار المشكلة ذاتها وانهاك للمملكة واستمرار التهديد الحوثي الايراني الصهيوني لخاصرة المملكة الجنوبي.


لقد حان وقت المراجعة والتصحيح.


وقت أن يُكافأ المخلص ويُحاسب المقصر، وأن تُفتح الأبواب أمام الكفاءات الوطنية، وأن تتحول أموال الدعم السعودي إلى قوة دولة ومؤسسات وخدمات وتنمية وتحرير، لا إلى امتيازات شخصية أو حزبية.


وحينها فقط يمكن أن تستعيد كل شعوب بلادنا ثقتهم بقيادتهم، وتستعيد المملكة ثقتها بجدوى دعمها، وتصبح بلادنا شريكاً حقيقياً في أمن واستقرار الجزيرة والخليج، بدلاً من أن تبقى جرحاً مفتوحاً تستنزف شعبها وجيرانها.


إن تصحيح مسار الشرعية اليوم ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة وطنية وسعودية وإقليمية؛ فالدعم الكبير يستحق قيادة على مستوى المسؤولية، والشعب اليمني والجنوبي والحضرمي يستحق دولة كونفيدرالية عادلة على مستوى تضحياته.