آخر تحديث :الجمعة-30 أكتوبر 2026-10:11ص

الضالع... وما أدراك ما الضالع!

الأحد - 27 سبتمبر 2026 - الساعة 12:29 م
علوي سلمان


نحن أبناء الضالع، نعرف ضالعنا جيدًا، ونعرف رجالها وناسها وقبائلها وبيوتها، ونعرف كيف كانت وكيف أصبحت، ونعرف تمامًا ما الذي كان يجري فيها قبل أن تتسلط على المشهد عصابات البلطجة وقطاع الطرق والقتلة وأصحاب السلاح المنفلت.

الضالع محافظة فتية، تقع في قلب اليمن الموحد، وعلى خط التماس الذي كان يفصل بين شطري الوطن قبل عام 1990. ومع ذلك، فإن الحدود السياسية لم تستطع أن تفصل القلوب.

كان الضالعي يعيش حياته مثل بقية اليمنيين؛ هذا في مزرعته، وهذا في تجارته، وهذا في مدرسته، وهذا في جامعته، وهذا في عمله، وكل واحد يحافظ على سمعته وكرامته وهويته، ويعيش بين أهله وناسه.

كان الضالعي معروفًا بالخلق، والتدين، والكرم، والشهامة، وحسن الجوار.

وكانت علاقتنا بأبناء المحافظات الشمالية، حتى قبل الوحدة، علاقة أخوة ومصاهرة وعمل وتعاون.

كان الشمالي يأتي إلى الضالع للعمل، فيبني بيتًا، ويحفر بئرًا، ويزرع أرضًا، ويمارس مهنته، ويعيش بيننا آمنًا مطمئنًا، لا يشعر أنه غريب ولا أنه يعيش في أرض عدو.

كان يأتي إلينا أخًا، ويعود منا أخًا.

كانت البيوت مفتوحة، والقلوب مفتوحة، والناس يعرف بعضهم بعضًا، والمصالح تجمعهم، والمصاهرة تقربهم، والجيرة تحميهم.

كانت بيننا وبين أبناء الشمال علاقات نسب ودم ومودة عمرها عقود طويلة.

وحين كانت تُزف عروستنا الضالعية إلى شمال الوطن، كنا نزفها ونحن مطمئنون إلى أنها ستذهب إلى بيت أهلها، لا إلى أرض غريبة.

كانت عروستنا تذهب من الضالع إلى الشمال، وتحمل معها اسم الضالع وكرامتها، وتعود إلينا وهي مكرمة عزيزة.

وكثير من بناتنا أصبحن أمهات وجدات في محافظات شمالية، ولهن أبناء وأحفاد يأتون إلينا اليوم، ويبيتون في بيوتنا، ويدرسون في مدارسنا وجامعاتنا، لأن النسب والدم لا تعرفهما خرائط السياسة ولا شعارات المناطقية.

لم نكن يومها نسأل: هذا شمالي أم جنوبي؟ هذا من هنا أم من هناك؟

كان الإنسان إنسانًا، والجار جارًا، والضيف ضيفًا، والأخ أخًا.

ثم جاءت سنوات سوداء، وتسللت إلى حياتنا لغة جديدة، لغة لا تشبه الضالع ولا تشبه رجالها ولا تاريخها.

ظهرت البلطجة، وقطع الطرق، والخطف، والاغتيالات، وسفك الدماء، وترويع الناس، وتحولت بعض شوارعنا وطرقنا إلى ساحات خوف وقلق.

وهنا نقولها نحن أبناء الضالع، وبكل مرارة:

أحرجتمونا!

بهذلتونا!

شوهتم سمعتنا!

أحرقتم صورتنا أمام القبائل والمجتمع اليمني!

نحن الذين كنا نرفع رؤوسنا بالضالع ورجالها، أصبحنا بسبب أفعالكم نطأطئ رؤوسنا خجلًا مما تفعلون.

نحن الذين كنا نفاخر بأن الضالعي صاحب نخوة ونجدة وأمان ووفاء، أصبحنا نجد أنفسنا مضطرين للدفاع عن اسم الضالع أمام الناس بسبب ممارساتكم.

ماذا فعلتم بنا؟

ماذا فعلتم باسم الضالع؟

ماذا فعلتم بسمعة الضالع؟

ماذا فعلتم بقيمها؟

ماذا فعلتم بأمنها؟

ماذا فعلتم بعلاقاتها مع بقية أبناء اليمن؟

لقد أذهبتم روح السكينة والطمأنينة التي كانت تسكن بين الناس، وأضعفتم روح الإخاء والتعاون، وفتحتم أبوابًا للفقر والمعاناة والأزمات، وجعلتم المواطن يعيش خائفًا على نفسه وماله وطريقه ومستقبله.

حين تُقطع الطرق، تتعطل حياة الناس.

وحين تُسفك الدماء، تتقطع أواصر المجتمع.

وحين ينتشر السلاح المنفلت، يهرب الاستثمار والعمل.

وحين يخاف الناس من الطريق، يخافون من الغد.

وحين يصبح القتل والخطف والبلطجة أمرًا عاديًا، يتحول المجتمع كله إلى ضحية.

أنتم لم تؤذوا خصومكم فقط، بل أذيتمونا نحن أيضًا.

أذيتم أهل الضالع.

أحرجتم القبائل.

شوهتم صورة المحافظة.

وأفقدتم الناس الثقة والأمان.

لقد جعلتم الخير يقل، والمعاناة تزيد، والفقر يشتد، والمشاكل تتكاثر، والأزمات تتوالى، وكأن هذه المحافظة لم يعد لها نصيب من الهدوء الذي يستحقه أهلها.

نحن لا نقول إن كل ما أصاب الضالع سببه فئة واحدة، ولا ننكر ما مر به اليمن كله من حرب وانقسام وفقر وأزمات، لكننا نعرف أن الجريمة والبلطجة وقطع الطرق والسلاح المنفلت لا يمكن أن تكون طريقًا لبناء مجتمع أو حماية وطن.

ومن هنا نقول لكم بوضوح، ومن قلب الضالع:

كفى!

كفى قتلًا.

كفى قطعًا للطرقات.

كفى ترويعًا للناس.

كفى سلاحًا منفلتًا.

كفى عبثًا بأمن المواطنين.

كفى تشويهًا لاسم الضالع.

كفى إحراجًا لنا أمام اليمنيين.

لقد بهذلتونا بما فيه الكفاية.

نحن لا نريد أن نعيش أسرى لأفعالكم.

ولا نريد أن ندفع ثمن جرائم لم نرتكبها.

ولا نريد أن يحمل الضالعي الشريف وزر قاتل أو قاطع طريق أو بلطجي.

ولا نريد أن يذكر اسم الضالع كلما وقعت جريمة أو قُطعت طريق أو سُفكت دماء.

الضالع ليست أنتم.

الضالع ليست البلطجة.

الضالع ليست قطع الطرق.

الضالع ليست الاغتيالات.

الضالع ليست سفك الدماء.

الضالع ليست الفوضى.

الضالع ليست السلاح المنفلت.

الضالع رجالها الشرفاء، ومشايخها وأعيانها، وعلماؤها، ومثقفوها، ومزارعوها، ومعلموها، وطلابها، ونساؤها، وأطفالها، وكل إنسان شريف يريد أن يعيش في أمن وكرامة.

ونحن أبناء الضالع لا نقبل أن يختطف أحد اسم محافظتنا ليستخدمه غطاءً للجريمة.

ولا نقبل أن تُختصر الضالع في بندقية أو عصابة أو جماعة أو فرد.

هذه أرضنا.

وهذه ديارنا.

وهذه سمعتنا.

وهذا تاريخ آبائنا.

ولن نسمح لمن يعبث بها أن يقول للناس: أنا الضالع.

لا.

أنت تمثل نفسك وفعلتك، ولا تمثل الضالع.

ومن يقتل إنسانًا بغير حق لا يصبح بقتله رجلًا.

ومن يقطع الطريق لا يصبح بقطعها صاحب نخوة.

ومن يرعب الناس لا يصبح شجاعًا.

ومن ينهب حقوق الناس لا يصبح صاحب قبيلة.

الرجولة أن تحمي الضعيف، لا أن تروعه.

والشجاعة أن تمنع الدم، لا أن تسفكه.

والقبيلة أن تصون الطريق، لا أن تقطعه.

والشرف أن تحفظ سمعة أهلك، لا أن تحرقها.

لقد أحرجتمونا أمام الناس، لكننا لن نسمح لكم أن تحرجوا الضالع إلى الأبد.

سنقول للقاصي والداني:

نحن أبناء الضالع، والضالع ليست ما تفعلونه.

نحن نعرف ضالعنا القديمة، ونعرف قيمها، ونعرف رجالها، ونعرف أن فيها من الشرفاء والأحرار وأصحاب المروءة ما يكفي لاستعادة وجهها الحقيقي.

نريد ضالعًا آمنة.

نريد طرقًا مفتوحة.

نريد مدارس وجامعات.

نريد مزارع مزدهرة.

نريد أسواقًا عامرة.

نريد أبناءنا يسافرون دون خوف.

نريد بناتنا وأطفالنا يعيشون مطمئنين.

نريد أن تعود الضالع إلى ما عرفناها عليه: محافظة الكرامة، والأخلاق، والشهامة، والعلم، والعمل، والتعاون.

نريد أن تزف عروستنا من الضالع إلى أي محافظة يمنية وهي مرفوعة الرأس، كما كانت دائمًا، لا تحمل معها خوفًا ولا خصومة ولا كراهية.

نريد أن يأتي إلينا الشمالي والجنوبي، كما كان يأتي أخًا، ويغادر أخًا.

نريد أن يعود اليمني إلى اليمني.

وأن يعود الجار إلى جاره.

وأن يعود الأخ إلى أخيه.

وأن تعود للضالع روحها التي أضعتموها.

أما أنتم يا من جعلتم القتل والبلطجة وقطع الطرق طريقًا لكم، فقد آن لكم أن تتوقفوا، وأن ترفعوا أيديكم عن الناس، وأن تتركوا الضالع لأهلها الشرفاء.

لا نريد منكم بطولة زائفة.

ولا شعارات فارغة.

ولا رايات فوق جثث الناس.

نريد منكم شيئًا واحدًا: أن تكفوا أذاكم عن الضالع وأهلها.

فقد أخذتم من هذه المحافظة ما يكفي من الأمن والطمأنينة.

وأخذتم من أهلها ما يكفي من الصبر.

وأخذتم من سمعتها أكثر مما تحتمل.

أخرجوا الجريمة من حياتنا، واتركوا للضالع فرصة أن تتنفس.

فالضالع التي نعرفها لا تستحق هذا كله.

والضالعي الشريف لا يستحق أن يعيش خائفًا.

والضالعية لا تستحق أن تنظر خلفها كلما خرجت من بيتها.

وأطفالنا لا يستحقون أن يكبروا في بيئة تخاف فيها الناس من الطريق والسلاح والرصاص.

نحن أبناء الضالع، ونقولها من قلبها، وباسم أهلها الشرفاء: كفى عبثًا بنا وباسمنا وبسمعتنا.

أعيدوا لنا ضالعنا.

أعيدوا لنا أمننا.

أعيدوا لنا سكينتنا.

أعيدوا لنا روح الأخوة والتعاون.

دعونا نعيش كما عاش آباؤنا: جيرانًا متحابين، وقبائل متعاونة، وأهلًا تجمعهم المصلحة والمصاهرة والدم والكرامة.

فالضالع ليست ملكًا للقتلة.

وليست ملكًا لقطاع الطرق.

وليست ملكًا للبلطجية.

الضالع لنا جميعًا... للضالعي الشريف، ولليمني الشريف، ولمن يريد لها الأمن والخير والسلام.

ومن أراد للضالع أن تنهض، فليحمِ دماءها.

ومن أراد لها الكرامة، فليصن سمعتها.

ومن أراد لها الخير، فليفتح طرقها.

ومن أراد لها المستقبل، فليحفظ مدارسها وجامعاتها ومزارعها وأسواقها.

أما من يريد أن يبني مجده فوق دمائنا، وأن يصنع بطولته من خوفنا، وأن يرفع اسمه على حساب سمعة الضالع، فنحن نقول له:

كفى... لقد أحرجتمونا، وبهذلتمونا، وشوهتم صورتنا بما فيه الكفاية.

اتركوا الضالع لأهلها.

فإن للضالع رجالًا شرفاء سيعيدون إليها وجهها الحقيقي، وسيقولون لكل اليمن:

هذه هي الضالع التي نعرفها... وهذه هي الضالع التي نحبها... وهذه هي الضالع التي لن نسمح لأحد أن يختطفها أو يشوه اسمها.

صورةٌ لإحدى مناطق الضالع التُقطت عام 1980م.